أفشين مولافي

Afshin Molavi

أفشين مولافي هو زميل أول في "معهد الشؤون الخارجية" بجامعة "جونز هوبكنز للدراسات الدولية لاب" المعنية ببحث التحولات الكبرى التي يمر بها 85المتقدمة"، والمدير المشارك لمبادرة "إيمرج % من سكان العالم في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. كما يشغل مولافي 85نحو منصب باحث زميل في "مؤسسة أمريكا الجديدة"، حيث يتولى من خلالها المشاركة في إدارة حلقات نقاشية حول الاقتصاد العالمي؛ وهي جزء من برنامج طموح لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي في . ويكتب مولافي عمودًا صحفيًا دوريًا حول الشؤون العالمية لمجلة 2008أعقاب الأزمة الاقتصادية عام "نيوزويك" بالنسخة اليابانية، وهو مشارك دائم في قسم الآراء العالمية بصحيفة "واشنطن بوست" وغيرها العديد من وسائل الإعلام العالمية.

"تساهم بطالة الشباب المنتشرة على نطاق واسع في إضعاف المجتمعات، وتعزيز الاضطرابات، وابطاء مسيرة التنمية الاقتصادية الضرورية لإيجاد دورات تنموية فاعلة من شأنها مساعدة الناس على بناء حياة كريمة. ورغم كثرة الأحاديث عن دور البطالة في نشر التطرف والانحلال الاجتماعي، تشير الوقائع إلى أن أغلب العاطلين عن العمل ليسوا ممن يحملون السلاح باسم "الجهاد" أو ينخرطون في الأعمال الإجرامية، وإنما يكافحون لكسب معيشتهم، أو يسعون إلى تنمية مواهبهم في أماكن أخرى، أو يعيشون حياة بسيطة وبائسة تذهب فيها إمكاناتهم أدراج الرياح."

لقد طرأ الكثير من التغييرات الجذرية على منطقة الشرق الأوسط منذ انطلاق أحداث الربيع العربي سنوات، حيث شهدت سقوط أنظمة 6قبل استبدادية، واندلاع حرب أهلية في سوريا، وبروز تنظيم "داعش" الإرهابي ليفاقم مستويات البؤس عن ظهور ًوالشقاء في العراق وسوريا، فضلا تحديات أمام الأنظمة السياسية التقليدية في كٍّل من تونس والقاهرة والمنامة. وقد ساعد الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي على توثيق هذه اللحظات التاريخية في مسيرة التحول التي تعيشها المنطقة.

واذا نظرنا إلى التحديات التي تواجهها المنطقة بشكل عام، تبقى مشكلة البطالة قائمة دون أي حل يذكر، حيث يحتل العالم العربي المرتبة الأولى عالميًا في نسبة البطالة بين الشباب. وقد تفاقمت هذه المشكلة منذ اندلاع الثورات العربية، حيث أظهرت إحصائيات "البنك الدولي" ارتفاع نسبة البطالة حاليًا سنوات. 5% قبل 27 مع ً% مقارنة30إلى

يغذيه ٍ متنام ٍويجري ذلك كله وسط عالم ناشئ التوسع الحضري السريع، والاتصال والتواصل الفعلي والتكنولوجي المتطور بوتيرة متسارعة، ونمو الطبقات الوسطى. وعليه، بات الشباب يربطون العالم - من تشيلي إلى الصين ومن السعودية إلى جنوب أفريقيا - بطرق لم يكن لأحد أن يتصورها قبل للإبداع والابتكار ًعقد فقط من الزمن، ويجدون سبلا ين بذلك جميع الصعاب. والأهم من ذلك كله ّتحدُ م أن العالم يشهد اليوم ثورة طموح يطالب من خلالها الشباب بعيش حياة أفضل من ذويهم، ويرسمون طموحات لم يكن لأجدادهم حتى أن يتخيلوها.

ّولا يختلف هذا الحال في العالم العربي، وإنما يعد كبيرًة ومؤثرة ًسببًا لكون بطالة الشباب مشكلة إلى هذا الحد.

فمن ناحية، فتح العالم الجديد وتطور التكنولوجيا آفاقًا جديدة من الفرص، ومن ناحية أخرى حاَل ضعف القطاعات العامة وتباطؤ نمو الوظائف في العالم العربي دون الاستفادة من شريحة الشباب المثقفين والمتحمسين والمتمرسين بتقنيات التواصل لاغتنام هذه الفرص، بل وجعل منها عبئًا إضافيًا.

تساهم بطالة الشباب المنتشرة على نطاق واسع في إضعاف المجتمعات، وتعزيز الاضطرابات، وابطاء مسيرة التنمية الاقتصادية الضرورية لإيجاد دورات تنموية فاعلة من شأنها مساعدة الناس على بناء حياة كريمة. ورغم كثرة الأحاديث عن دور البطالة في نشر التطرف والانحلال الاجتماعي، تشير الوقائع إلى أن أغلب العاطلين عن العمل ليسوا ممن يحملون السلاح باسم "الجهاد" أو ينخرطون في الأعمال الإجرامية، وإنما يكافحون لكسب معيشتهم، أو يسعون إلى تنمية مواهبهم في أماكن أخرى، أو يعيشون حياة بسيطة وبائسة تذهب فيها إمكاناتهم أدراج الرياح.

وباختصار، تمثل بطالة الشباب أبرز المسائل المّلحة في السياسة العامة للقادة العرب، ويعكس الإخفاق المستمر في إحداث تأثير حقيقي في مسألة بهذه الأهمية ضعف الطبقة السياسية العربية التي عجزت عن إدراك حجم هذه المشكلة على مر السنين.

ولطالما حلت البطالة على رأس مخاوف الشباب العرب أو ضمن المراتب الأولى في استطلاعات "أصداء بيرسون- مارستيلر" السنوية لآرائهم. حيث استمروا بتوجيه ذات الرسالة حول الأهداف التي ينشدونها، وهي الحصول على فرص عمل ذات عائد واعد.ٍجيد، وتحقيق الاكتفاء المالي، والأمل بمستقبل

"إن العالم العربي لا يفتقر إلى الكفاءات والمواهب، بل على العكس، عن الشغف والحماسة، إلا أنهم يعانون ًيتمتع شبابه بالكثير منها فضلا في الفرص، وينبغي أن تشكل هذه المسألة هاجسًا ٍمن نقٍص كبير أساسيًا لصناع القرار في العالم العربي على مدى الأجيال القادمة."

وهذه نتيجة متوقعة لمشكلٍة لا تزال الشغل الشاغل للشباب العرب على مدى السنوات العشرين الماضية، فلو جلست في أحد مقاهي دول شمال أفريقيا، أو جامعات دول شرق المتوسط، أو بحثت وراء عناوين التحديث الاقتصادي في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، لشهدت حتمًا حجم المخاوف الشائعة بشأن بطالة الشباب.

ولا يخلو الأمر من بعض الحالات الاستثنائية، حيث حققت دولتا الإمارات وقطر نجاحًا ملموسًا في توظيف الشباب. والمسألة لا تتعلق بثروة النفط والغاز أو قلة عدد السكان (والتي ُتعتبر عوامل مساعدة لكنها ليست أساسية، والدليل أنها لم من ذلك، فإن ًتساعد ليبيا بهذا الخصوص). وبدلا قراءة مؤشرات القدرة التنافسية الرئيسية - بدءًا من "تقرير ممارسة أنشطة الأعمال" الصادر عن "مجموعة البنك الدولي" ومؤشر التنافسية إلى مختلف ًللمنتدى الاقتصادي العالمي، وصولا مؤشرات الابتكار والاستثمار والشفافية - توضح أن دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما دولة الإمارات، تتفوق على سائر دول المنطقة في إيجاد البيئة التنظيمية الملائمة للفرص.

وتتمثل أقصى طموحات الشباب في الدول العربية والعالم عمومًا مجرد الحصول على فرصة عمل بشكل عادل يتيح تكافؤ الفرص للجميع. فهم لا يبحثون عن "الواسطة" أو المحسوبيات للمضي في مسيرتهم المهنية، وإنما ينشدون بيئة خالية من هذه الاعتبارات تتم فيها مكافأة العمل الجاد والابتكار والمؤهلات وفق قواعد نزيهة؛ الأمر الذي يفسر ريادة دولة الإمارات كأفضل وجهة للعيش والعمل في العالم بالنسبة للشباب العرب، إذ يعتبرونها المكان الأمثل لفرص العمل المتميزة.

يشكل كل ما سبق السبب الرئيس الذي يدفع شباب دول شمال أفريقيا للهجرة إلى أوروبا على الرغم مما تشهده من تباطؤ في النمو الاقتصادي. وعلى غرار ذلك، يبحث الشباب العرب من مختلف الاختصاصات عن وظائف في دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا وأن العديد من الشركات الاستشارية والصناعية والفنادق والبنوك والجامعات الرائدة في العالم تواصل تعزيز حضورها ًفي المنطقة بدءًا من دبي والدوحة وانتهاء بمسقط والمنامة.

وللمفارقة، ُتعزى بعض المشــاكل الراهنة المرتبطة بالبطالة ونقص العمالة إلى ما شــهده العالم العربي خلال العقود الســتة الماضية من تعزيز فرص الوصول إلى التعليم، وتحســن قطاع الصحة العامــة، وتنامــي الفرص المتاحة للمرأة رغم محدوديتهــا. وبالتالــي، أدى النمــو الهائل في فرص جديد من الخريجين ٍالتعليــم الجامعــي إلــى إنتــاج جيل بدون وظائف.

ويعتقد القليل من الشباب العرب في الدول غير الخليجية بأن أنظمة التعليم الحالية في بلدانهم تؤهلهم لشغل وظائف المستقبل. وفي المقابل، % من الشباب العربي في دول مجلس 80يرى التعاون الخليجي أن أنظمة التعليم في بلدانهم نجحت في تولي هذه المهمة، ولكن عليهم ألا يبالغوا في تفاؤلهم. ففي ضوء التحولات الكبيرة التي أحدثتها الثورة الصناعية الرابعة على أسلوب حياتنا وإنتاجنا واستهلاكنا وتواصلنا، فإن القليل فقط من جامعات العالم باتت مؤهلة لإعداد الشباب لشغل وظائف المستقبل، فما بالك بجامعات المنطقة.

وبذلك نصل إلى نقطٍة نهائية لا تدعو للتفاؤل. إذ لطالما كان قطاع الصناعة والتصنيع هو السبيل الأمثل لإيجاد أكبر عدٍد من الوظائف، الأمر الذي ينعكس في نجاح الدول الأربعة الملقبة بنمور شرق آسيا في الارتقاء بقطاع الصناعة وإيجاد المزيد من فرص العمل وتحقيق التنمية الاقتصادية. ولكن تنامي تقنيات الأتمتة ينذر بأن المرحلة التالية التي سيشهدها القطاع الصناعي ستحمل عددًا أقل من فرص العمل المرتبطة بالتصنيع.

وبجميع الأحوال، سيظل العالم في المستقبل المنظور بحاجة إلى المنتجات الصناعية. ومع أن بناء مصنع لإنتاج غاز الأمونيا على سبيل المثال قد لا يكون أمرًا مثيرًا للاهتمام كإنشاء شركة لتقنيات التكنولوجيا، إلا أن الصناعة بمفهومها التقليدي لا تزال توفر الكثير من فرص العمل، وبالتالي ستكون جزءًا أساسيًا من حل مشكلة البطالة.

إن العالم العربي لا يفتقر إلى الكفاءات والمواهب، ً بل على العكس، يتمتع شبابه بالكثير منها فضلا عن الشغف والحماسة، إلا أنهم يعانون من نقٍص في الفرص، وينبغي أن تشكل هذه المسألة ٍكبير هاجسًا أساسيًا لصناع القرار في العالم العربي على مدى الأجيال القادمة.



شاهد الجلسةالحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2017. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم مثل الافتقار إلى فرص العمل والتهديدات التي يفرضها التطرف.

تابع/شارك/سجل إعجابك Google+
العودة إلى الأعلى