الشباب العربي وتوقٌ دائم للنموذج الإماراتي

أفشين مولافي – زميــل أول فــي معهــد الشــؤون الخارجيــة بجامعة جــون هوبكنز للدراســات الدولية المتقدمــة فــي واشــنطن

 

من أين تستمد الدول عظمتها؟ لطالما اجتهد علماء السياسة والفلاسفة والنقاد والقادة الشعبويون في الإجابة عن هذا السؤال. بعضهم يقول إنها القوة الاقتصادية، ويجزم آخرون بأنها القوة العسكرية، ويعزو فريق ثالث عظمة الدول إلى توفيرها سبل الرخاء والحرية لشعوبها، وهناك من يتحدث عن اجتماع العوامل الثلاثة سوياً.

أياً كانت نتائج هذا الجدل، هناك سؤالان يتعين دوماً أخذهما في الاعتبار: كيف ينظر الآخرون إلى بلدك؟ لو كانت الحدود مفتوحةً، فكم من الناس قد يتدفقون للعيش فيها؟ في الإجابة على هذين السؤالين، ستحقق الإمارات العربية المتحدة بلا شك درجات متقدمة عن باقي دول المنطقة في أذهان الشباب العربي.

دأب استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي على طرح سؤال منتظم في جميع إصداراته: لو أمكنك العيش في أي مكان في العالم، فما هو البلد الذي تفضل العيش فيه؟ وللسنة العاشرة على التوالي، بقيت الإجابة نفسها هذا العام أيضاً: الإمارات العربية المتحدة. في الواقع، وسعت دولة الإمارات هامش تقدمها لتتخطى الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بفارق كبير (47٪ مقابل 19٪). وتأتي في المرتبة الثالثة والرابعة والخامسة على التوالي كندا (15٪) وفرنسا (13٪) وألمانيا (11٪). وما يثير الإعجاب حقاً في هذه النتيجة أن أياً من الدول العربية الأخرى لم تدخل حتى قائمة الدول الخمس المفضلة للعيش.

وتستحق هذه الأرقام المذهلة بالفعل اهتماماً أوسع. فلو افترضنا أن نادي كرة قدم بريطاني فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز عشر سنوات متتالية، أو استطاعت شركة ما أن تنفرد بصدارة قطاعها على مدار عقد كامل، أو فاز لاعب تنس بعشر بطولات غراند سلام متتالية، فلا شك أن مثل هذا الأمر سيستوقفنا جميعاً وسينتج عنه كم هائل من المقالات والمؤتمرات والكتب التي تستخلص “الدروس المستفادة”.

الاقتداء بالريادة الإماراتية

ما الذي يجب أن نتعلمه إذن من تصدُّر الإمارات لهذه الفئة على مدى عقد كامل من الزمن؟ لنبدأ بما يقوله الشباب العربي؛ فلدى سؤالهم عن الأفكار المرتبطة بدولة الإمارات في أذهانهم، أدلوا بإجابات متنوعة يمكن تصنيفها عموماً ضمن فئتين رئيسيتين هما: الفرص والاستقرار.

وتمثلت أهم خمسة أشياء يربطها الشباب العربي بالإمارات في: “الاقتصاد المتنامي” (28٪)، و”الباقة الواسعة من فرص العمل” (28٪)، و”البيئة النظيفة والبهيجة” (25٪)، و”الرواتب المجزية”(23٪)، و”الإجراءات السهلة لبدء الأعمال” (17٪). وأشاروا أيضاً إلى جودة التعليم، واحترام التقاليد الثقافية، واحتضان الوافدين، وقالوا أيضاً إن الحصول على تأشيرة إقامة في الإمارات أمر صعبٌ ومكلف.

جيل براغماتي

ما الذي نستخلصه من هذه الإجابات؟ على مدار الأعوام الثلاثة عشر الماضية، كان الموضوع الدائم لاستطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي هو قصة جيل براغماتي ينأى بنفسه عن تباهي الشعبويين، ويسعى للحصول على فرص عمل تضمن له تحسين واقعه، ويتعطش للتغييرات التي تُصلح مكامن الخلل في حكوماتهم. وفي حين يصف البعض الشباب العربي بأنهم “الجيل المحروق” – الذي أحرقه سوء الإدارة وفساد الحكم – إلا أنهم أيضاً جيل براغماتي يمتلك من الطاقة والرؤية والإبداع ما يكفي لتغيير بلدهم – إن لم نقل العالم – إذا ما أتيحت لهم الظروف المواتية.

على مدار ربع قرن، ترددت على زيارة الإمارات العربية المتحدة وأقدّر دورها الكبير في اجتذاب الطبقات الوسطى الطموحة وأصحاب الكفاءات المهنية من القاهرة إلى كراتشي، ومن ديربان إلى دلهي. وعلى مستوى العالم العربي كله، توفر لك دبي الفرصة المثلى للحصول على أول وظيفة استشارية مهمة، أو توسيع نطاق شركتك الناشئة، أو إطلاق شركتك الخاصة للتصميم الجرافيكي. وفي أبوظبي، قد تجد وظيفة في مؤسسة مالية أو صحية أو تعليمية عالمية المستوى، وقد تبني شبكة علاقات تزيد من ثقتك بنفسك وتفيدك في الارتقاء بمسيرتك المهنية.

الإمارات قدوة المنطقة

إذا قارنت معظم الاستطلاعات العالمية باستطلاع رأي الشباب العربي، سترى أوجه تشابه مذهلة في النظرة المستقبلية والتطلعات والآمال والمخاوف. فجميع الشباب حول العالم يريدون حكومات أكثر كفاءةً وأقل فساداً، وفرصاً أفضل للتعليم والعمل، وبيئات آمنة وصحية. ومع أنه من الصعب قياس منسوب “الانتماء الوطني” لهذا الجيل من الشباب، غير أنه لا يزال يحمل في عروقه نزعة وطنية واضحة.

لدى سؤالهم عن “البلد المثالي”، تكرر اختيار الشباب العربي أيضاً لدولة الإمارات؛ وهذا يتماشى بطبيعة الحال مع اختيارهم لها كبلد مفضّل للعيش. ولكن في واقع الأمر، من الصعب على أي دولة أن تتبنى نموذج دولة أخرى باعتباره “مثالياً”. فهناك حتماً جوانب من التجربة الإماراتية قد يصلح تبنيها في مصر أو السودان (وهما دولتان تفضل الغالبية العظمى من شبابهما العيش في دولة الإمارات)، غير أن الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والسكانية والتاريخية أكبر بكثير من أن يتم اختزالها بهذه المقارنة البسيطة.

وبدلاً من البحث عن نماذج مثالية جاهزة، تحتاج كل منطقة لمن يقود مسيرة نهوضها عبر إشعال فتيل المنافسة الإيجابية. وفي المنطقة العربية، تلعب الإمارات هذا الدور من خلال رفع معايير التنمية وبروزها كمركز اقتصادي عالمي للتجارة والنقل والسياحة وحتى التكنولوجيا. وتحرص الرياض اليوم على منافسة الإمارات في بعض هذه المجالات مع بروز لاعبين آخرين أيضاً في جميع أنحاء المنطقة. هكذا تبدأ المنافسة الإيجابية لتصب في مصلحة المنطقة برمتها.

ربما تتنحى الإمارات في يوم من الأيام عن عرش البلدان التي يفضل الشباب العربي العيش فيها لصالح دولة عربية أخرى. وينبغي لذلك أن يكون موضع ترحيب باعتباره مؤشراً على نجاح منطقة وشباب يستحقون ذلك.

الاقتباسات

1- على مدار الأعوام الثلاثة عشر الماضية، كان الموضوع الدائم لاستطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي هو قصة جيل براغماتي ينأى بنفسه عن تباهي الشعبويين، ويسعى للحصول على فرص عمل تضمن لهم تحسين أنفسهم، ويتعطش للتغييرات التي تُصلح مكامن الخلل في حكوماتهم. وفي حين يصف البعض الشباب العربي بأنهم “الجيل المحترق” – الذي أحرقه سوء الإدارة وفساد الحكم – إلا أنهم أيضاً جيل براغماتي يمتلك من الطاقة والرؤية والإبداع ما يكفي لتغيير بلدهم – إن لم نقل العالم – إذا ما أتيحت لهم الظروف المواتية.

2- بدلاً من البحث عن نماذج مثالية جاهزة، تحتاج كل منطقة لمن يقود مسيرة نهوضها عبر إشعال فتيل المنافسة الإيجابية. وفي المنطقة العربية، تلعب الإمارات هذا الدور من خلال رفع معايير التنمية وبروزها كمركز اقتصادي عالمي للتجارة والنقل والسياحة وحتى التكنولوجيا. وتحرص الرياض اليوم على منافسة الإمارات في بعض هذه المجالات مع بروز لاعبين آخرين أيضاً في جميع أنحاء المنطقة. هكذا تبدأ المنافسة الإيجابية لتصب في مصلحة المنطقة برمتها.

أفشــين مولافــي هــو زميــل أول فــي معهــد الشــؤون الخارجيــة بجامعة جــون هوبكنز للدراســات الدولية المتقدمــة فــي واشــنطن، حيــث يكتب بشــكل موســع عن الأســواق الناشــئة، وموضوعــات الاقتصاد السياســي فــي الشــرق الأوســط، و”طريــق الحريــر الجديــد”، وتداخل العوامل الجيوسياســية، والاقتصاد العالمي. ويكتــب مولافي منذ ســنوات فــي صحــف ومجــلات مثــل “فايننشــال تايمــز”، و”ذا نيويــورك تايمز”، و”فوريــن بوليســي”، و”بلومبيرج فيــو”، و”ذا واشــنطن بوســت”، و”نيوزويــك”، و”بزنــس ويــك”، و”جورنال أوف كوميرس”، و”ناشــيونال جيوغرافيــك”، و”إنستيتيوشــنال إنفســتور”؛ كمــا يظهــر بشــكل دوري علــى قنــوات “ســي إن إن”، و”بــي بي ســي”، و”العربيــة”، و”ســكاي نيوز عربيــة”، وغيرها. وهو مؤسس ورئيس تحرير “نيوسيلك رود مونيتور”.