النساء العربيات مع تحديث المجتمعات الخليجية بعيداً عن الصبغة الغربية

خالد المعينا – الشريك الإداري لشركة “كوارتز كوميونيكيشنز” ومدير مجموعة العبير الطبية

لطالما شعرت بالرضا عند قراءة نتائج استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي. ففي منطقة يصعب فيها الحصول على معلومات وبيانات دقيقة، تقدم هذه النتائج – التي تم استخلاصها بطريقة علمية موضوعية – نظرة معمقة على عقلية الشباب العربي الذين يعيشون في مجتمعات تحكمها سلطة قبلية وأبوية في معظم الأحيان. وبذلك يستمدون أغلب معلوماتهم وأفكارهم ومعارفهم من تلك السلطة تحديداً.

ومع ذلك، فإن الأمور تتغير. وقد باتت غالبية المجتمعات العربية اليوم من الشباب المتعلّم الذين يطمحون للمشاركة في عالم يتغير بسرعة في كل لحظة.

قد تشكّل التحديات التي تلوح في الأفق اختباراً لإرادة كل شخص. وفي المنطقة العربية، يجب على المرء أن يكون متفائلاً حتى يتمكن من مغادرة فراشه صباحاً. فتخطي النظرة القاتمة التي فرضتها الجائحة والاضطرابات الاقتصادية والصراعات الدامية داخل المنطقة وخارجها تستوجب العمل بعزيمة ثابتة والتفكير بعقول خلّاقة.

ولكن العقول لا يمكن أن تعمل في فراغ؛ فهي بحاجة قبل كل شيء إلى مناخ مجتمعي مواتٍ يمكّن الشباب من تخطيط رؤيتهم والسعي لتحقيقها عبر تحديد احتياجاتهم ذات الأولوية. ويبدي المتفائلون من الشباب وعياً حقيقياً تجاه ذلك، ويريدون لأصواتهم أن تصل باعتبارهم أصحاب مصلحة وليس مجرد متفرجين، فهم أصحاب القرار في المنطقة مستقبلاً.

حضور قوي للشابات في بيانات الاستطلاع

بينما كانت جميع التقارير الرئيسية والتحليلات الإعلامية حول الشباب تركز في الماضي على الذكور تحديداً، بات الحضور النسائي قوياً الآن في تحليل البيانات، وأصبحت جميع الخطط والأهداف الموضوعة تراعي دور المرأة في تحقيقها.

أخبرتني سيدة سعودية قبل سنوات بأن “المجتمع الذي يستبعد نصف سكانه سيذوي ويموت”، وهي على حق تماماً في ذلك؛ فقد ولّى ذلك الزمن الذي كان يحتدم فيه النقاش لمجرد الحديث عن حقوق المرأة. صحيح أن المشكلة لا تزال قائمة إلى حد ما، غير أن القرارات الجريئة التي اتخذتها بعض الدول العربية أدت إلى توقف هذا الجدل. وبينما بات غالبية الرجال يؤيدون دخول المرأة إلى سوق العمل، فإنهم يعتقدون أن ذلك يجب أن يكون ضمن حدود أيديولوجيتنا وثقافتنا. ولا ننسى قبل كل شيء أن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان يعمل لدى السيدة خديجة قبل زواجه بها.

كانت هناك العديد من المخاوف الثقافية التي حالت دون التطور المهني للمرأة في وظائف القطاعين العام والخاص، والآن تمت إزالة العقبات التي شكلت مبرراً لتلك المخاوف أو يتم إزالتها من خلال القوانين والتشريعات الجديدة التي تؤكد عزم الدولة على حل هذه المشكلة. وهذا بالضبط ما حدث في السعودية خلال العامين الماضيين، حيث تم فتح الأبواب أمام النساء وتوفير أسباب التطور لهن، وكان ذلك مثار جدل كبير في المجتمع.

حداثة تراعي قيمنا الثقافية

باتت المرأة الآن معيلةً وسنداً لعائلتها. وفي حين تشير بعض الشابات إلى تراجع المساواة بين الجنسين عبر أنحاء المنطقة في أعقاب الجائحة، فإن العديد منهن أيضاً لا يتفقن مع هذا الرأي. ويشرن في ذلك إلى أعدادهن المتزايدة في الصناعات المنزلية، وخدمات التموين المنزلي، والتعليم عبر الإنترنت، وحتى الرعاية الصحية المنزلية.

أنا نفسي شاهدٌ على ارتفاع هذه الخدمات. وأقول لأولئك الذين يتحدثون من خارج المنطقة عن “قلقهم بشأن محنة المرأة العربية” لا داعي لأن يكونوا كذلك بعد الآن. وتقول اثنتين من كل ثلاث شابات عربيات تقريباً إنهن يتمتعن بنفس حقوق الذكور في بلدانهن. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى القرارات الجريئة التي اتخذتها حكومات المنطقة ومحو العقلية الخاطئة السابقة التي كانت تتصور مجتمعاً تسوده الفوضى إذا ما سُمح للمرأة بالمشاركة في جميع مناحي الحياة. لقد كان الخوف من فقدان الهوية الإسلامية هو “سيف ديموقليس” المسلّط على عنق المجتمع.

ولم يكن للتغييرات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية أي تأثير سلبي في هوية المرأة. بل على العكس من ذلك، تعتقد النساء أن المجتمعات الخليجية “يجب أن تقوم على الحداثة دون التفريط بقيمنا الثقافية”.

ومع أن الدين والهوية لطالما كانا عنصران أساسيان في ثقافة المجتمع السعودي، إلا أن مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل خلال السنوات الثلاث الماضية لم يتسبب بحدوث أي خلل اجتماعي. على العكس تماماً، بات الذكور يسارعون إلى سرد قصص نجاح أفراد أسرهم من النساء.

لقد تجاوزنا أخيراً أساطير الخوف التي طالما كبّلت مجتمعنا. وتغيرت طبيعة الشخصية المهنية الحديثة للمرأة العربية بسبب تغيير موقف الذكور وصرامة التشريعات الحكومية التي وفّرت الإطار اللازم لمساعدة المرأة على تحقيق القبول داخل المجتمع العربي.

ويمكن للإمكانات غير المستغلة للمرأة العربية أن تدفع المنطقة نحو مزيد من التنمية والازدهار الاقتصادي. وفي ضوء ذلك كله، تتلاشى مسألة المساواة بين الجنسين ليتم تقييم الأشخاص في المؤسسات الأكاديمية والحكومية والتجارية على أساس أدائهم فقط وليس على أساس النوع الاجتماعي. وقد بات يُنظر إلى النساء الآن من زاوية الكفاءة المهنية، وليس من باب الشكليات أو العلاقات العامة.

في ختام حديثي، ألفت النظر إلى لوحة في مكتبي تحمل عبارة إن “الرجل الأفضل لهذا المنصب هو امرأة”.

الاقتباسات

1- أخبرتني سيدة سعودية قبل سنوات بأن “المجتمع الذي يستبعد نصف سكانه سيذوي ويموت”، وهي على حق تماماً في ذلك؛ فقد ولّى ذلك الزمن الذي كان يحتدم فيه النقاش لمجرد الحديث عن حقوق المرأة. صحيح أن المشكلة لا تزال قائمة إلى حد ما، غير أن القرارات الجريئة التي اتخذتها بعض الدول العربية أدت إلى توقف هذا الجدل. وبينما بات غالبية الرجال يؤيدون دخول المرأة إلى سوق العمل، فإنهم يعتقدون أن ذلك يجب أن يكون ضمن حدود أيديولوجيتنا وثقافتنا. ولا ننسى قبل كل شيء أن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان يعمل لدى السيدة خديجة قبل زواجه بها.
2- لم يكن للتغييرات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية أي تأثير سلبي في هوية المرأة. بل على العكس من ذلك، تعتقد النساء أن المجتمعات الخليجية “يجب أن تقوم على الحداثة دون التفريط بقيمنا الثقافية”. ومع أن الدين والهوية لطالما كانا عنصران أساسيان في ثقافة المجتمع السعودي، إلا أن مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل خلال السنوات الثلاث الماضية لم يتسبب بحدوث أي خلل اجتماعي. على العكس تماماً، بات الذكور يسارعون إلى سرد قصص نجاح أفراد أسرهم من النساء.

خالد المعينا هو الشريك الإداري لشركة “كوارتز كوميونيكيشنز” ومدير مجموعة العبير الطبية. وقد تولى على مدى 30 عاماً الكثير من الأدوار المهمة في قطاع الإعلام السعودي، بما في ذلك الرئيس التنفيذي لشركة علاقات عامة، ومذيع إخباري في التلفزيون السعودي، ومقدم برامج حوارية، ومقدّم إذاعي، وصحفي. وشغل المعينا كذلك عدداً من المناصب العليا في شركة الخطوط الجوية العربية السعودية.

وتحظى آراء المعينا بتقدير كبير، حيث يكتب مقالات رأي سياسية واجتماعية في صحف “جلف نيوز”، و”الشرق الأوسط”، و”الاقتصادية”، و”عرب نيوز”، و”تايمز أوف عمان”، و”ذا إيجان إيج”، و”العربية”، و”مكة”، و”تشاينا بوست”، و”سعودي جازيت”. وكان له دور مهم في الترويج الناجح لبطولات الإسكواش والتنس في المملكة.

وتولى المعينا في عام 1982 رئاسة تحرير صحيفة”عرب نيوز”. واستقال منها في عام 1993 ليشغل على مدار خمس سنوات منصب رئيس الشركة السعودية للعلاقات العامة (SRPC). ومن ثم عاد في عام 1998 ليرأس تحرير “عرب نيوز” حتى أكتوبر 2011.

وفي أبريل 2012، تسلّم المعينا منصب رئيس تحرير صحيفة “سعودي جازيت” اليومية الناطقة باللغة الإنجليزية، واستمر في المنصب حتى نهاية أبريل 2014.

حصل المعينا على أعلى وسام مدني (نجمة التفوق) من حكومة باكستان في يناير 2009، ونال في العام نفسه شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة مينداناو في الفلبين. وهو باحث زائر غير مقيم في جامعة سنترال فلوريدا.