شباب عربي متفائل بأجيال قادمة أفضل

فيصل اليافعي – صحفي وشريك في وكالة الاستشارات الاستراتيجية “هيلدبراند نورد”

 

في خريف عام استثنائي، كشف استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي لشباب العربي عن نتيجة مفاجئة وغير متوقعة: ففي خضم الاضطرابات الكثيرة التي تشهدها المنطقة العربية، بات شبابها أكثر تفاؤلاً حيال المستقبل مما كانوا عليه منذ سنوات. ومن جميع البلدان التي شملها الاستطلاع، أعرب غالبية الشباب العربي، بنسبة 60%، عن اعتقادهم بأن أيامهم القادمة ستكون أفضل.

وتتنوع هذه النتيجة المثيرة للدهشة حقاً حسب التوزع الجغرافي للمشاركين – فالشباب اللبنانيون الذين تم استطلاع آرائهم في خضم أسوأ أزمة مالية تشهدها البلاد منذ عقود طويلة كانوا الأقل تفاؤلاً حيال المستقبل. ومع ذلك، أبدى الشباب العربي في جميع الدول تقريباً تفاؤلاً أكبر هذا العام مما كانوا عليه العام الماضي مع أن هذا أول استطلاع لرأي الشباب العربي يتم إجراؤه في خضم الجائحة (علماً أن استطلاع العام الماضي تم إجراؤه قبل تفشي الجائحة على نطاق واسع في المنطقة). ولهذا يوفر الاستطلاع رؤية معمقة حول شعور الشباب العربي في لحظة من التغيير الهائل – أو حتى التجديد.

يعد الشباب العربي – ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً وهم محور هذا البحث – الشريحة السكانية الأكبر في المنطقة، وبالتالي فإن العالم العربي لا يزال شاباً في معظمه. وهذا يوفر سبباً إضافياً للشركات والحكومات والأفراد لفهم ما يفكر به هؤلاء الشباب، واستكشاف العقبات التي تحول دون تقدمهم ونجاحهم.

ولعل الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في التقارير المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط هو مدى تشابه القضايا الرئيسية لهذه المنطقة مع بقاع العالم الأخرى، وذلك على الرغم مما تشهده من أحداث استثنائية وصراعات طويلة الأمد.

ومن النتائج المهمة التي كشفها استطلاع رأي الشباب العربي 2021 ضمن هذه الفئة تحديداً: أن حوالي نصف الشباب العربي يقولون إنهم سيعيشون حياة أفضل من آبائهم. وتوضح هذه النتيجة الإيجابية السبب وراء امتلاك الشباب العربي هذا الأمل بمستقبل أفضل.

إن فكرة “تقدّم الأجيال”، والقائمة على تحسن ظروف كل جيل عن سابقه، هي جزء أساسي من علوم السياسة الحديثة؛ وتشكّل أساس العقد الاجتماعي في معظم المجتمعات.

في الغرب، ربما انكسر ذلك العقد الاجتماعي لأول مرة بالنسبة لجيل الشباب – وهم يدركون ذلك جيداً. فقد شكّل انعدام الاستقرار المهني وديون التعليم وغلاء تكاليف السكن والمعيشة أسباباً موضوعية لتشاؤمهم. ومع توالي الاستطلاعات الواحد تلو الآخر – على مدار العقد الماضي على الأقل منذ الأزمة المالية العالمية- أعرب غالبية الشباب في الدول المتقدمة عن اعتقادهم بأن حياتهم ستكون أسوأ من حياة آبائهم. وفي المقابل، لا يزال التفاؤل قائماً في الدول النامية.

أما في العالم العربي، فتكتسب هذه القضية مزيداً من التعقيد بسبب الجغرافيا؛ حيث بلغت بعض أجزاء المنطقة مراحل متقدمة من التطور، بينما لا يزال بعضها الآخر في طور النمو، وشهد العديد منها صراعات مدمرة. ويعزى جانب من تعقيدات المنطقة أيضاً إلى اختلاف السياسات والنظم السياسية فيها – مع أن الاستطلاع يشير إلى أن حوالي نصف الشباب العربي لا يزالون يشعرون على الأقل أن اقتصادات بلدانهم تسير في الاتجاه الصحيح. وبكل الأحوال، لا يزال هذا التفاؤل قائماً، بل وحتى ارتفع عن العام الماضي حسبما تشير إليه نتائج الاستطلاع هذا العام.

عقبات التقدم في العالم العربي

ما هي إذاً العقبات التي تحول دون تحقيق تلك الرؤية؟ وما الذي يعكّر تفاؤل شباب المنطقة ويعيقهم عن تحقيق النجاح المنشود؟

في ضوء النظرة الإيجابية التي يحملها العالم العربي حيال تلك النظرية الأساسية المتعلقة بضرورة تقدم الأجيال، تبرز “القضايا التي تؤثر على الحياة اليومية” باعتبارها العقبة الأبرز لمعظم المجتمعات.

أربع قضايا على وجه التحديد تجعل قراءتنا واقعية بهذا الخصوص: غلاء المعيشة، وتكاليف وجودة التعليم، والبطالة، وتلك المشكلة المستعصية في العالم العربي – “الواسطة”.

تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة

مع تفشي الجائحة والضغوط التي ألقتها على كاهل الشركات والموظفين، كان من الطبيعي أن يأتي ارتفاع تكاليف المعيشة على رأس هموم الشباب العربي. لكن أكثر ما يدعو للقلق هو استمرار هذه المشكلة بنسبة مستقرة تقارب 90% منذ عام 2018. صحيح أن التضخم يؤثر على تكلفة جميع الجوانب الاقتصادية، غير أن الشباب هم الأكثر تأثراً بطبيعة الحال كونهم ينفقون النسبة الأكبر من رواتبهم على مستلزمات الحياة الأساسية.

هنا أيضاً تفرض الجغرافيا تأثيرها بوضوح، حيث قال 13% فقط من شباب دول مجلس التعاون الخليجي إنهم يكافحون “عادةً” لسداد نفقاتهم. في حين ترتفع هذه النسبة إلى 37% في دول شمال إفريقيا، و56% في شرق المتوسط ولا سيما مع استمرار الصراع في سوريا والأزمة المالية في لبنان.

ويعزى جانب كبير من ذلك الشعور بارتفاع تكلفة المعيشة إلى الديون الشخصية، حيث يظهر الاستطلاع أن غالبية شباب العالم العربي قلقون بشأن مستويات مديونياتهم؛ ولكن ما يثير الاهتمام حقاً هو الأسباب الأكثر شيوعاً لهذه الديون.

يأتي التعليم في مقدمة أسباب الديون الشخصية لشباب دول شرق المتوسط، وربما يعكس ذلك مجموعة محدودة من القروض الحكومية منخفضة الفائدة لسداد تكاليف التعليم الجامعي تحديداً. أما في شمال إفريقيا، فتأتي القروض التجارية مجدداً على رأس أسباب المديونية، وهذا يعكس العدد الكبير من شباب شمال أفريقيا الذين يقولون إنهم يريدون بدء أعمالهم التجارية الخاصة.

وفي منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، يتعلق الأمر بقروض السيارات – ومع أن هذه المديونية تبدو استهلاكيةً بشكل واضح (وهي كذلك في بعض الأحيان)، ولكنها أيضاً مسألة مرتبطة بالسياسات العامة. فمع اتساع مساحات العديد من المدن الخليجية وعدم دخول شبكات النقل العام حيز التشغيل الكامل، عادةً ما يكون امتلاك سيارة أمراً ضرورياً.

أهمية إصلاح أنظمة التعليم

يكشف الاستطلاع حاجة واضحة إلى إصلاح نظم التعليم، سواء من حيث المناهج الدراسية أو سبل تمويل هذه الأنظمة.

يظهر التعليم مراراً وتكراراً عبر العديد من الجوانب التي يغطيها استطلاع رأي الشباب العربي؛ حيث يذكرون جودة التعليم ضمن قائمة اهتماماتهم الرئيسية، ويندرج أيضاً بين مصادر ديونهم الشخصية، ويتحدثون عن مدى تأثير “كوفيد-19” على تجربتهم التعليمية، ويصنّفون إصلاح نظام التعليم بين الأولويات القصوى التي يتعين على حكوماتهم التركيز عليها.

ولعل السبب الأبرز الذي يستوجب من الحكومات إيلاء أهمية خاصة لموضوع التعليم تحديداً هو أن الاستطلاع يركز على فئة المراهقين والشباب الذين ما زالوا في مرحلة التعليم أو يدخلون للتو سوق العمل؛ وبالتالي فهم الأكثر درايةً بما يتعلمونه وما إذا كانوا يمتلكون المؤهلات المناسبة للعمل.

ينطبق الأمر ذاته أيضاً على دور “الواسطة”، والتي كشف عنها الاستطلاع مراراً كمصدر قلق رئيسي للشباب العربي. والواسطة هي مسألة معقدة تغطي العديد من العلاقات عبر أنحاء المنطقة، ولكن تأثيرها السلبي يتجلى أكثر فيما يخص مسألتي التعليم والوظائف. وإذا كان الشباب يبدون قلقاً كبيراً حيال الواسطة، فذلك لأنها غالباً ما تكون سبب الفساد في تعاملهم مع البيروقراطية الحكومية وسبب المحسوبية كذلك في تعاملهم مع أصحاب العمل.

نوع الوظائف

جميع هذه التحديات صعبة حتماً، ولكن أصعبها بلا منازع هو مسألة الوظائف كونها مصدر قلق كبير للشباب العربي والجانب الذي يحدد مستقبلهم بشكل مباشر.

كان تأثير “كوفيد-19” كبيراً بلا ريب على جميع أنحاء المنطقة رغم بقاء دول الشرق الغنية أفضل حالاً من غيرها لناحية دخل الموظفين. ومع ذلك، لم يسلم أغلب الناس من تداعيات الجائحة: فثلث الشباب العربي إما فقدوا وظائفهم أو فقد أحد أفراد أسرهم وظيفته بسبب الجائحة، وهذا أمر يدعو للقلق حقاً.

فيما يتعلق بنوع العمل الذي يطمحون إليه، لا تزال ريادة الأعمال عامل جذب كبير للشباب العربي؛ غير أن الوظائف الحكومية لا تزال تحظى بجاذبية كبيرة أيضاً – ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يطمح 60٪ من شبابها تقريباً للعمل لدى الحكومة. ويتعارض هذا التوجه مع رغبات معظم الحكومات العربية لكون القطاع العام أصغر حجماً من الخاص.

حجم القطاع العام هو موضوع ثابت في جميع أنحاء المنطقة. إذ تحاول معظم الدول العربية تطبيق سياستين متناقضتين في الوقت نفسه: تقليص القطاع العام وخفض معدل البطالة. وهذا يعني عملياً نقل العاملين في القطاع العام إلى الخاص، وذلك ليس بالأمر السهل دوماً.

لا تشكل البطالة بحد ذاتها مشكلةً في منطقة دول مجلس الخليجي، وإنما هناك مسألة “توطين الوظائف” – بمعنى توظيف المواطنين الخليجيين في جميع قطاعات اقتصاداتهم الوطنية (ويُعرف ذلك عادةً بمصطلحات مثل “السعودة” وما إلى ذلك). وتبدو الضغوط السياسية متشابهة إلى حد كبير عبر جميع أنحاء هذه المنطقة، ذلك لأن الحكومات الخليجية تلتزم غالباً بتوظيف غالبية مواطنيها، وبالتالي فإن سياسات التوطين هذه تستدعي نقل المواطنين من القطاع العام إلى الخاص.

فيما يتعلق بالشباب العربي عموماً، هناك فرصة لجعلهم يتجهون بعد انتهاء تعليمهم للعمل مباشرةً في القطاع الخاص بدل انتظار الحصول على وظيفة حكومية أملاً ببعض الامتيازات المتصورة – كما يحدث في كثير من الأحيان ويؤكده الاستطلاع نفسه. وفي استطلاع رأي الشباب العربي، يقدم الشباب أنفسهم طرقاً للقيام بذلك، ويقترحون تقديم قروض لدعم المشاريع الناشئة والحد من المخاطر المالية المرتبطة بها، وإدراج تعليم ريادة الأعمال في المناهج الدراسية.

كيف تتحقق الآمال بمستقبل أفضل

أربع عقبات إذاً تحول دون تحقيق تطلعات الشباب العربي؛ جميعها ترتبط بالجوانب الحياتية ويمكن حلها باتباع سياسات ذكية – ولحسن الحظ، يظهر الاستطلاع أن الشباب العربي لا يزالون يؤمنون بحكوماتهم لإصلاح العديد من هذه المشاكل.

إن استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي لا يتعلق بالسياسة فحسب. وإنما طرح كذلك أسئلة واسعة النطاق لاستكشاف موقف الشباب من وسائل الإعلام والتسوق والعلاقات الأسرية والعالم الأوسع عموماً. ومع ذلك، يمكن للسياسة أن تساعد في خلق البيئة المطلوبة لازدهار كل تلك الجوانب المجتمعية.

يحمل استطلاع هذا العام عنوان “المستقبل بآمالٍ متجددة”، وهو بالتأكيد ينطوي على الكثير من التفرد والحماس والتفاؤل بين شباب المنطقة. يبقى فقط أن تجد الحكومات والشركات والأفراد الطرق المناسبة لجعل هذا الأمل بالمستقبل حقيقة ملموسة.

الاقتباسات

1- ومن النتائج المهمة التي كشفها استطلاع رأي الشباب العربي هذا العام أن حوالي نصف الشباب العربي يقولون إنهم سيعيشون حياة أفضل من آبائهم. وتوضح هذه النتيجة الإيجابية السبب وراء امتلاك الشباب العربي هذا الأمل بمستقبل أفضل. إن فكرة “تقدّم الأجيال”، والقائمة على تحسن ظروف كل جيل عن سابقه، هي جزء أساسي من علوم السياسة الحديثة؛ وتشكّل أساس العقد الاجتماعي في معظم المجتمعات.
2- يحمل استطلاع هذا العام عنوان “المستقبل بآمالٍ متجددة”، وهو بالتأكيد ينطوي على الكثير من التفرد والحماس والتفاؤل بين شباب المنطقة. يبقى فقط أن تجد الحكومات والشركات والأفراد الطرق المناسبة لجعل هذا الأمل بالمستقبل حقيقة ملموسة.

فيصل اليافعي هو صحفي وشريك في وكالة الاستشارات الاستراتيجية “هيلدبراند نورد” التي تتخذ من لندن مقراً لها. عمل في السابق صحفياً استقصائياً لجريدة “ذا جارديان” اللندنية، وصحفياً وثائقياً لمحطة “بي بي سي”. وقام اليافعي بتغطية العديد من الأحداث من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشرق أوروبا وأفريقيا.