هوية متجددة للشباب العربي

معالي السفير يوسف مانع العتيبة – سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية ووزير دولة

يرتكز العمل الدبلوماسي على التفاعل مع الآخرين؛ فنحن نتحدث ونستمع، نعلِّم ونتعلَّم، نتفاوض ونناقش. ويتطلب عملنا اهتماماً كبيراً بالتفاصيل، وفهماً عميقاً للتعقيدات السياسية، ومراعاة حساسية الاختلافات الثقافية. ويتعين علينا كذلك أن نتحلى بالدينامية في حياتنا اليومية، وأن نداوم على كسب المعارف الجديدة باستمرار، ونبدي المرونة في جميع افتراضاتنا.

وعند التجرد من كل تعقيدات مهنتنا وبروتوكولاتها الدبلوماسية، يبقى عملنا قائماً في جوهره على سرد القصص؛ فنحن ننقل التجارب ووجهات النظر الإماراتية إلى أروقة الكونغرس والمكتب البيضاوي، إلى حرم الجامعات والمعارض الفنية، وإلى مجالس إدارات الشركات وملاعب كرة القدم في الأحياء. ونجعل هذه الروايات نابضة بالحيوية والألوان لدى الجمهور المتلقي.

إن سعادتي في مشاركة هذه الأفكار تنبثق من دراستي المستمرة لهوية الشباب العربي، واضطلاعي بتلك المهمة الشاقة لنقل أحلامهم وتطلعاتهم وتحدياتهم ومخاوفهم إلى الجمهور الأمريكي. وينطوي الأمر هنا على الكثير من التعقيد.

ما الذي يحدد هوية الشباب العربي؟

كثيرةٌ هي التساؤلات حول العنصر الأبرز الذي يحدد هوية الشباب العربي؛ هل هو الانتماء الديني أم الوطني؟ الأسرة والقبيلة أم التراث العربي؟ هل هي السياسة أم اللغة أم المعتقدات؟ الجواب المؤكد أن الأمر لا يقتصر على عنصر واحد فحسب: فالتنوع الذي تتسم به مجتمعات العالم العربي يفرز بطبيعة الحال طيفاً متنوعاً من الإجابات. وبينما يرى البعض أن الدين هو الجانب الأكثر تأثيراً في حياتهم، يركز آخرون على الانتماء العائلي. وهذان الرأيان هما الأكثر شيوعاً بين الشباب العربي، وينبثق عنهما مزيج غني من الأفكار والتجارب.

أما عن دولة الإمارات العربية المتحدة، فالإجابة واضحة وضوح الشمس. إذ تتحدد هوية شبابنا الإماراتي بانتمائهم الوطني قبل أي شيء آخر، وهذا لأننا بنينا مجتمعاً منفتحاً وشاملًا يتبنى الحداثة ويبدي في الوقت ذاته تقديراً عميقاً للتقاليد والثقافة والدين. كما نشجع الإبداع والتعاون بين جميع الثقافات والأديان، بين الرجال والنساء، وبين الإماراتيين وغير الإماراتيين.

ثمة هوية جامعة متأصلة في عمق النسيج الاجتماعي للإمارات. إذ تقدّم الدولة رؤية مستقبلية إيجابية للمنطقة … رؤيةٌ تدعم المجتمع والإبداع، وتنبذ التطرف والفتنة بجميع أشكالهما.

وهذا النموذج يستهوي الشباب العربي الذين يريدون العيش في منطقة تتغير نحو الأفضل، ويجدون في الإمارات بارقة أمل في إرسائها نموذجاً يحتذى للتعايش بين الثقافات، وتوفيرها فرصاً تعليمية واقتصادية مجزية على مقربة من بلدانهم.

يرون ذلك في الإمارات واقعاً ملموساً وليس طموحاً. أضف إلى ذلك أن استحداث منصب وزير دولة لشؤون الشباب وإنشاء حقيبة مخصصة لهذه الأجندة يبعث برسالة لا لبس فيها: أن أصوات الشباب العربي مهمة هنا.

استكشاف الملامح الاجتماعية والثقافية

بصفتي دبلوماسياً إماراتياً دائم التواصل مع صناع القرار الأمريكيين، اعتبر هذه المعطيات جوهريةً لتوضيح واقع الشرق الأوسط اليوم وعرض الملامح الاجتماعية والثقافية التي ستشكل مستقبل المنطقة.

وتشير البيانات الواردة في استطلاع أصداء بي سي دبليو الثالث عشر لرأي الشباب العربي إلى تحول جوهري يسري في أوصال المنطقة؛ حيث يتبنى الشباب نظرة أكثر تفاؤلاً، ويخوضون في الوقت نفسه سلسلة من التغييرات العميقة التي تجري حالياً.

وتلقى الروح القومية المتنامية صدىً أكبر لدى الشباب العربي، حيث يتطلع هذا الجيل بشكل متزايد إلى البلدان العربية الشقيقة لقيادة مستقبل المنطقة. ولا شك أن اعتمادنا المتزايد على النفس، ولا سيما في الدول النموذجية مثل الإمارات، يغذي هذا الفخر بالهوية العربية.

يتوق شباب المنطقة عموماً إلى خفض التصعيد وتبني لغة الحوار والدبلوماسية؛ ويتطلعون إلى دولة الإمارات لإدارة الأحداث والنتائج بالتعاون مع الأصدقاء والشركاء ذوي الأفكار المماثلة. فالشباب العربي يرفضون الواقع الفاشل الذي عاشوه طوال حياتهم تقريباً في ظل انتشار الفوضى، وانهيار الدول الهشة، واستغلال دعاة الفتنة لهذه الفوضى لنشر ثقافة التطرف.

ويقترن هذا الموقف المستجد بالنتائج التي تفيد بأن ثلثي الشباب العربي المشاركين في الاستطلاع يدعون إلى إصلاح المؤسسات الدينية. وفي حين قال 40% من الشباب العربي في استطلاع العام الماضي إن الدين عنصر جوهري لهويتهم، انخفضت النسبة هذا العام إلى 34%.

تؤكد هذه النتيجة أن الدين لا يزال قوة مؤثرة في المجتمع العربي؛ ولكن مع شباب حيوي يؤمن بثقافة ريادة الأعمال ويمتلك إلماماً واسعاً بالوسائل التكنولوجية، لا يمكن أن يبقى أي شيء جامداً على حاله ولا حتى الدين.

الإمارات نموذج يحتذى للمنطقة

هنا أيضاً، أتطلع إلى الإمارات العربية المتحدة باعتبارها نموذجاً عملياً يحتذى لمنطقتنا؛ حيث تحتضن الدولة 200 جنسية مختلفة، وأكثر من 40 كنيسة تخدم حوالي 700 تجمع مسيحي، عدا عن انتشار المعابد الهندوسية والسيخية، ووجود معبد بوذي أيضاً في دبي. وتنعم الجالية اليهودية بحياة مستقرة مع تقديم طعام الكوشر الآن في العديد من فنادق الإمارات.

ونتذكر في هذا السياق زيارة البابا فرانسيس التاريخية عام 2019، وكانت زيارة غير مسبوقة لأي حبر أعظم إلى منطقة الجزيرة العربية. وقد حضر القداس الذي أقامه البابا في الهواء الطلق حوالي 180,000 شخص في تجمّع سلط الضوء على التآخي الديني وتخللته عظة مليئة بتعاليم السيد المسيح عليه السلام. كما شارك رأس الكنيسة الكاثوليكية في منتدى للأديان مع مجلس حكماء المسلمين وغيرهم من رجال الدين. والتقى أيضاً بفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف الذي يعتبر أهم مؤسسة دينية سنية.

وبدأ في أبوظبي كذلك تشييد مجمع بيت العائلة الإبراهيمية، والذي سيتيح للمسيحيين والمسلمين واليهود الصلاة جنباً إلى جنب في ثلاثة مبانٍ متجاورة تراعي الخصوصيات الدينية للأديان الإبراهيمية. وستفتتح الإمارة كذلك أول معبد هندوسي قريباً.

وتمزج هذه التوليفة الفريدة الاعتزاز بالهوية الوطنية مع روح التعددية الدينية، وتشكّل أساساً للقصص التي يتشاركها الدبلوماسيون الإماراتيون مع الناس هنا في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم.

وبينما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة بإكسبو 2020 دبي واليوبيل الذهبي لتأسيسها في ديسمبر القادم، ننظر إلى “المستقبل بآمالٍ متجددة” تماماً مثل الشباب العربي في استطلاع هذا العام.

ويسرني أن أستمر بنشر هذا الأمل في جميع المحافل التي أحضرها.

معالي يوسف مانع العتيبة هو سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية ووزير دولة https://yousefalotaiba.com/

الاقتباسات

1- ثمة هوية جامعة متأصلة في عمق النسيج الاجتماعي للإمارات. إذ تقدّم الدولة رؤية مستقبلية إيجابية للمنطقة … رؤيةٌ تدعم المجتمع والإبداع، وتنبذ التطرف والفتنة بجميع أشكالهما. وهذا النموذج يستهوي الشباب العربي الذين يريدون العيش في منطقة تتغير نحو الأفضل، ويجدون في الإمارات بارقة أمل في إرسائها نموذجاً يحتذى للتعايش بين الثقافات، وتوفيرها فرصاً تعليمية واقتصادية مجزية على مقربة من بلدانهم.
2- وتلقى الروح القومية المتنامية صدىً أكبر لدى الشباب العربي، حيث يتطلع هذا الجيل بشكل متزايد إلى البلدان العربية الشقيقة لقيادة مستقبل المنطقة. ولا شك أن اعتمادنا المتزايد على النفس، ولا سيما في الدول النموذجية مثل الإمارات، يغذي هذا الفخر بالهوية العربية. ويتطلع شباب المنطقة إلى دولة الإمارات لإدارة الأحداث والنتائج بالتعاون مع الأصدقاء والشركاء ذوي الأفكار المماثلة. فالشباب العربي يرفضون الواقع الفاشل الذي عاشوه طوال حياتهم تقريباً في ظل انتشار الفوضى، وانهيار الدول الهشة، واستغلال دعاة الفتنة لهذه الفوضى لنشر ثقافة التطرف.

تقلد معالي يوسف مانع العتيبة منصبه رسمياً كسفير لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 28 يوليو 2008، وتمت ترقيته لدرجة وزير دولة في عام 2017.
قاد معالي السفير يوسف العتيبة جهود تعزيز العلاقات الإماراتية الأمريكية عن طريق زيادة التعاون بين البلدين، وعلى وجه الخصوص في المجالين الاقتصادي والأمني. وكانت لجهوده القيادية دور رئيس في استكمال اتفاقية 123 الخاصة بالتعاون في مجال إنتاج الطاقة النووية السلمية (في عام 2009)، واستضافة الدولة لألعاب الأولمبياد الخاص العالمية في أبوظبي (2019)، إلى جانب تسهيل إقامة علاقات دبلوماسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل (2020). ونسبةً لجهوده في إبرام الاتفاق الإبراهيمي، اختارته مجلة “تايم” المعروفة ضمن أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم خلال عام 2020.
منذ أن تقلد معاليه منصب سفير الدولة لدى الولايات المتحدة ازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة تجاوزت 70 في المئة، مما عزز مكانة دولة الإمارات كأكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كذلك عمل معاليه على زيادة حجم الاستثمارات الإماراتية في الولايات المتحدة، وافتتحت مؤسسات أمريكية مرموقة فروعاً لها في الدولة ومنها مستشفى كليفلاند وجامعة نيويورك.
وبالإضافة لما سبق، قامت حكومتا الولايات المتحدة ودولة الإمارات بتأسيس منبر رسمي لحوار السياسات الاقتصادية (2012) ومنبر ثنائي للحوار الاستراتيجي (2020).
وقام معالي السفير بتدشين برامج في مجالات العمل الخيري وخدمة المجتمعات داخل الولايات المتحدة. فمن خلال “برنامج كرة القدم للمجتمعات” الذي تبنته سفارة دولة الإمارات في واشنطن، تم إنشاء 11 ملعباً جديداً لكرة القدم في مناطق تفتقر لمثل تلك الخدمات في مختلف أرجاء الولايات المتحدة.
في عام 2014، أسس معالي السفير شراكة مع “مركز مريديان الدولي” لإقامة معرض بطابع دولي في الولايات المتحدة للفنون الإماراتية المعاصرة.
ساعد معاليه مواطني دولة الإمارات في الولايات المتحدة في العودة للوطن عند تفشي وباء كورونا مع تشجيع جهود الإغاثة الإنسانية.
يتمتع معاليه بعضوية مجلس إدارة الأولمبياد الخاص والمجلس الإداري لكلية هارفارد كينيدي. وسبق له العمل في مجلس إدارة معهد “إيست وست”.
قبل تعيينه سفيراً عمل معاليه مديراً للشؤون الدولية في ديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية.