تراجع الرغبة في الهجرة يعزز مستويات الثقة في المنطقة

حسين إبيش – كبير باحثين مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن

 

توفر النسخة الأحدث من “استطلاع أصداء بي سي دبليو السنوي لرأي الشباب العربي” نتائج في غاية الأهمية كالعادة، لكن العديد منها يحمل مفاجآت سارّة أيضاً، لعل أبرزها موقف الشباب العربي إزاء الهجرة. فالصورة النمطية، ولا سيما في الغرب، تعتبر المنطقة العربية منطقة تعاني من الاضطرابات والضيق الاقتصادي، ولهذا ينادي الشباب العربي بمغادرة بلدانهم. لكن هذا الاستطلاع ينفي هذا تماماً.

وبشكل عام ، يقول معظم الشباب العربي – ما يقارب نصف العينة المشمولة بالاستطلاع (44%) – إنهم لا يفكرون “أبداً” بمغادرة بلدانهم. بينما يقول 23% إنهم لا يفكرون بالهجرة، لكن ذلك ممكن؛ ويقول 21% إنهم يفكرون بالهجرة، لكنهم لا يسعون لذلك بشكل جدّي. وأفادت نسبة لا تتجاوز 12% من الشباب العربي بأنهم يحاولون الهجرة بشكل جدّي. ويعتبر هذا مؤشر ثقة قوي في منطقة يُفترض أنها تترنح بين الضيق والكوارث. وباعتبار أن النتائج تعكس تراجعاً ملحوظاً في الرغبة بالهجرة مقارنة مع نتائج عام 2020، يشير الاستطلاع إلى “ارتفاع سوية التفاؤل”، لا سيما في دول المشرق العربي وشمال أفريقيا.

ولا عجب أن يتطلع، أو يسعى، الشباب في بعض البلدان العربية حتى اليوم إلى الهجرة بأعداد كبيرة. فقد سجلت السودان والمغرب ولبنان والأردن وسوريا والجزائر والأراضي الفلسطينية نسبة تفوق 40% من حيث عدد الشباب المحتمل هجرتهم. وهذا يعكس حالة الصراع وعدم الاستقرار إلى جانب الضائقة الاقتصادية التي تشهدها لبنان وسوريا وفلسطين، فضلاً عن محدودية الفرص في دول أخرى مثل المغرب والجزائر والأردن.

لكن النتائج تصبح أكثر إثارة للاهتمام مع تقلص بعض الأرقام. فعلى نحو مفاجئ، سجلت 3 بلدان تشهد اضطرابات كبيرة أعداداً منخفضة من حيث عدد الشباب الراغبين بالهجرة، وهي: ليبيا واليمن (36%)، والعراق (31%). ولعل الدولة الخليجية الوحيدة التي سجلت ارتفاعاً على هذا الصعيد هي البحرين (31%)، تليها سلطنة عمان (13%)، والمملكة العربية السعودية والكويت (8% فقط)، ودولة الإمارات (3% فقط).

كما تحتل دولة الإمارات مكانة بارزة بين الوجهات الخمس المفضلة للشباب العربي الراغبين بالهجرة، إلى جانب كندا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا التي تأتي في مستويات مماثلة تقريباً. ولدى سؤال الشباب العربي عن البلد الذي يرنو للعيش فيه، أشارت نسبة (47%) إلى دولة الإمارات، ومن بعدها الولايات المتحدة بنسبة 19%. كما قال حوالي نصف الشباب العربي (46%) إنهم يريدون لبلدانهم أن تقتدي بدولة الإمارات، بينما احتلت الولايات المتحدة المرتبة الثانية مجدداً بنسبة 28%.

وبشكل عام ، تشير هذه النتائج إلى أن دولة الإمارات نجحت بترسيخ مكانة قوية بين أوساط الشباب العربي، مما يعزز من فرصة تأثيرها مع الوقت على التنمية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية الأخرى من خلال نموذجها الاجتماعي القائم على التنوع والتسامح. كما يزداد احتمال تنامي التأثير الإقليمي لهذا النموذج. وهذا يتجلى من خلال نتائج الاستطلاع التي تظهر أن أكثر من ثلثي الشباب العربي، وخاصة في شمال أفريقيا، يتطلعون لإصلاح مؤسساتهم الدينية.

وثمة تفضيل واضح للدين، أو حتى للانتماء العائلي أو القبلي، كعامل أساسي يحدد الهوية مقارنة بالجنسية (18% فقط). ولعل هذا التوجه نحو تحديد الهوية من خلال الدين، لكن وسط أجواء إصلاحية، يفسر الشعبية المذهلة لدولة الإمارات كوجهة محتملة للشباب العرب الراغبين بالهجرة. وكما هو متوقع، يبقى السعي نحو الفرص الاقتصادية المحرك الأكبر لهجرة الشباب. ويقول أكثر من ربع الشباب العربي (27%) إن المخاوف الاقتصادية هي السبب الرئيسي الذي قد يدفعهم للتفكير في الهجرة إلى بلد آخر. ولا شك أن هذا المزيج من الهوية الدينية الواضحة كدولة ذات أغلبية مسلمة، مع المؤسسات الدينية ذات الطابع الإصلاحي القوي، والمجتمع القائم على التسامح والتنوع، إلى جانب الفرص الاقتصادية الكبرى؛ كل هذا يفسر الجاذبية الكبيرة لدولة الإمارات. إذ يربط الشباب العربي هذا البلد بالنمو الاقتصادي وفرص العمل (28% لكل منهما).

 

من ناحية أخرى، تعتبر نتائج الاستطلاع حول حقوق المساواة بين الجنسين غير مشجعة. فقد ارتفعت نسبة الشباب العرب الذين يعتقدون أن الرجال يتمتعون بحقوق أكثر من النساء في مجتمعاتهم من 25% في عام 2020 إلى 40% في عام 2021. كما قفزت نسبة من يعتقدون أن الرجال يحظون بوظائف وفرص عمل أفضل من النساء بنسبة 9%، من 35% في عام 2020 إلى 44% في عام 2021. وتقول غالبية النساء (79%) إنهن يفتقرن إلى فرص العمل، منهم 52% في دول مجلس التعاون الخليجي. لكن الشعور بعدم مساواة الفرص الاقتصادية بين الجنسين يبدو أعلى بكثير في المناطق العربية الأخرى، مما يفرض احتمال هجرة الشابات إلى دول الخليج أو الغرب بحثاً عن فرص العمل التي يفتقدنها.

ومن بين أبرز النتائج الأخرى غير المتوقعة تلك المتعلقة بدور الولايات المتحدة في المنطقة. فقد تراجعت الآراء حول هذا الموضوع بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، لكن من اللافت أن نرى واشنطن تحتل المرتبة الثالثة في قائمة الأعداء الحقيقيين بنسبة 41%، لا يتقدمها سوى إيران وإسرائيل. كما سجلت الولايات المتحدة مرتبة متدنية جداً كحليف حقيقي، بفارق كبير عن روسيا والصين وتركيا وبريطانيا. وربما من السابق لأوانه جداً معرفة ما إذا كانت السياسات الجديدة لإدارة جو بايدن ستساعد في إصلاح بعض الأضرار التي لحقت بسمعة الولايات المتحدة في عهد أسلافه، بمن فيهم دونالد ترامب – وبدرجة أقل باراك أوباما – أو إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى أسيرة السمعة السلبية بالنسبة للشباب العربي. وبجميع الأحوال، هذا لا يتناسب مع دورها الفعلي لا سيما بالمقارنة مع منافسين مثل روسيا والصين وتركيا.

ومع ذلك ، لا تزال الولايات المتحدة تحظى بتقدير كبير من نواحٍ أخرى، حيث يصنفها 51% من الشباب العربي في المرتبة الأولى بين الدول الأكثر تأثيراً في المنطقة، وفي المرتبة الثانية بين بلدان الإقامة المفضلة والتي يتم الاقتداء بها. وهذا يعني أنها تحظى باحترام قوي ومستمر رغم نقص الثقة بسياساتها وموثوقيتها في الآونة الأخيرة.

ورغم التقدير الكبير الذي تحظى به الولايات المتحدة، فإن دولة الإمارات تبدو مرغوبة أكثر بالنسبة للشباب العربي. وفي ضوء تصاعد روح التفاؤل بين أوساط الشباب في دول شرق المتوسط وشمال أفريقيا، والرغبة في المزيد من الإصلاح الديني والمساواة بين الجنسين؛ تبشر نتائج “استطلاع أصداء بي سي دبليو السنوي لرأي الشباب العربي” لعام 2021 بمستقبل أكثر إشراقاً للمنطقة، على الأقل في حال تمكن الشباب العربي من تحقيق أحلامه وطموحاته.

الاقتباسات

1- وكما هو متوقع، يبقى السعي نحو الفرص الاقتصادية المحرك الأكبر لهجرة الشباب. ويقول أكثر من ربع الشباب العربي (27%) إن المخاوف الاقتصادية هي السبب الرئيسي الذي قد يدفعهم للتفكير في الهجرة إلى بلد آخر.

2- لا تزال الولايات المتحدة تحظى بتقدير كبير من نواحٍ أخرى، حيث يصنفها 51% من الشباب العربي في المرتبة الأولى بين الدول الأكثر تأثيراً في المنطقة، وفي المرتبة الثانية بين بلدان الإقامة المفضلة والتي يتم الاقتداء بها. وهذا يعني أنها تحظى باحترام قوي ومستمر رغم نقص الثقة بسياساتها وموثوقيتها في الآونة الأخيرة.

شغل حسين إبيش منصب باحث مقيم أول في معهد دول الخليج العربية في واشنطن. وهو كاتب عمود أسبوعي في “بلومبرج أوبينين”، وكاتب عمود حول الشؤون الأمريكية في صحيفة “ذا ناشيونال” (الإمارات). وله آلاف المساهمات عبر الراديو والتلفاز، كما عمل مراسلاً صحفياً من واشنطن لدى صحيفة “ذا ديلي ستار” )بيروت(. وكان إبيش سابقاً زميلاً أول في فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين، ومديراً تنفيذياً لمؤسسة هالة سام مقصود للقيادة العربية الأمريكية بين الأعوام 2004 و2009. ومن عام 1998 حتى عام 2004، عمل إبيش مديراً للاتصالات في لجنة مكافحة التمييز الأمريكية العربية. وهو حائز على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ماساتشوستس في أمهرست.