سياسات أفضل لبناء غد أفضل

د. جهاد أزعور – مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى صندوق النقد الدولي

 

يوفر استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي 2021 فرصة فريدة لقياس مدى تأثير “كوفيد-19” على الشباب العربي، واستكشاف تصوراتهم حول الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ورصد توقعاتهم للمستقبل. والسؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هذا العام هو كيف يمكن للركود الاقتصادي الحاد الذي أعقب تفشي الجائحة أن يهدد الفرص الاقتصادية وتطلعات الشباب العربي للسنوات القادمة.

ويشكّل استطلاع 2021 دعوة عمل حقيقية إلى صناع القرار العرب؛ خصوصاً وأنه كشف عن نتيجة جيدة، وغير متوقعة إلى حد ما، بأن الجائحة لم تزعزع ثقة الشباب العربي بتحقيق مستقبل أفضل. ويوفر هذا المستوى العالي من التفاؤل والمشاعر الإيجابية حيال المستقبل أرضية راسخة لتحقيق التعافي والمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الضرورية التي طال انتظارها لتوفير فرص أفضل للشباب في المنطقة. ويدفعني ذلك إلى دعوة صناع السياسات، ليس فقط لتخفيف وطأة التداعيات المباشرة للجائحة، وإنما أيضاً لإعادة التفكير في طريقة تصميم استراتيجيات النمو في المنطقة العربية.

كشف الاستطلاع أن غالبية الشباب العربي (60%) يتوقعون أن تكون أيامهم القادمة أفضل، وأبدو تفاؤلاً ملحوظاً رغم الجائحة، وهي نسبة أعلى من الاستطلاع السابق (50%). وعلى الرغم من المصاعب التي مروا بها العام الماضي، لا يزال الشباب العربي يؤمنون بإمكانية تحسين حياتهم: حيث يعتقد حوالي نصف المشاركين في الاستطلاع أن حياتهم ستكون أفضل من حياة آبائهم، وهي النسبة الأعلى خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ويتوقع غالبية الشباب العربي كذلك انتعاشاً اقتصادياً كاملاً وعودةً أسرع إلى الوضع الطبيعي، كما ارتفعت نسبة الشباب الذين يبدون استعداداً أكبر للمخاطرة وتطوير مشاريع وشركات ناشئة جديدة في غضون السنوات الخمس المقبلة. ومن اللافت تراجع نسبة الشباب العربي (33%) الذين يفكرون بالهجرة إلى بلد آخر مقارنة باستطلاع العام الماضي (42%). ومع أنه من السابق لأوانه الجزم بذلك، إلا أن الإجراءات الحاسمة التي اتخذها صناع القرار في المنطقة لحماية المجتمعات – كما هو الحال في الإمارات والمغرب والسعودية – ربما تكون قد لعبت دوراً في ارتفاع مستوى تفاؤل الشباب العربي في استطلاع هذا العام.

وبطبيعة الحال، لا تتشارك جميع البلدان التفاؤل نفسه؛ ولا يزال استطلاع 2021 يكشف عن تباينات كبيرة بين الشباب المشاركين من مناطق دول مجلس التعاون الخليجي وشمال إفريقيا والمشرق العربي. على سبيل المثال، وبالرغم من التحسن الملحوظ في مستوى تفاؤلهم قياساً بنتائج العام الماضي، لا يزال شباب المشرق العربي أقل إيجابية نسبياً في نظرتهم إلى المستقبل، الأمر الذي يعكس استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها العديد من بلدان تلك المنطقة.

تجدر الإشارة إلى أن الأخبار الإيجابية حول تفاؤل الشباب العربي في مواجهة الأزمات الصحية والاقتصادية لا تعني بالضرورة تراجع مخاوفهم إزاء القضايا القديمة الأخرى التي تؤثر على حياتهم. إذ لا يزال نقص الوظائف مصدر قلق رئيسي في استطلاع هذا العام، وقال 20% من الشباب الذين فقدوا (هم أو أحد أفراد أسرهم) وظائفهم بسبب أزمة “كوفيد-19” إنهم لم يعثروا على وظائف جديدة بعد. ولا يزال القلق كبيراً أيضاً بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما في دول المشرق العربي، ومما يزيد الطين بلّة ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أعباء الديون وتكلفة التعليم. ومن النتائج المقلقة التي كشف عنها الاستطلاع أيضاً تراجع المساواة بين الجنسين في جميع أنحاء المنطقة عقب الجائحة، حيث قال 40% من المشاركين في الاستطلاع إن الرجال يتمتعون بحقوق أفضل من النساء (مقارنة بـ 25% في استطلاع العام الماضي)، وقال 44% إن الرجال يتمتعون بفرص مهنية أفضل من النساء (مقارنة بنسبة 35% العام الماضي).

ثمة حاجة ملحة برأيي إلى وضع نموذج تنموي جديد وعقد اجتماعي جديد أيضاً. وللنجاح في ذلك، يتعين على صناع القرار أن يضعوا قضية الشباب في صميم أجندة الإصلاح الهيكلي المطلوبة لبناء اقتصادات أكثر مرونة واستدامة وشمولية. ولا بد لأجندة الإصلاح هذه أن تركز بالدرجة الأولى على تحقيق التقدّم في المجالات الرئيسية التالية:

  • الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي – لا تزال العديد من اقتصادات المنطقة تكافح لتجاوز تحديات الجائحة في ضوء تردي أوضاعها المالية وارتفاع المخاطر التضخمية (الناجمة بشكل رئيسي عن حدوث اختناقات في جانب العرض، سواء على المستوى المحلي أو العالمي). وبالتالي فإن تبني المزيج الصحيح من السياسات المالية والنقدية للتعامل مع نقاط الضعف قصيرة الأجل هذه يعد شرطاً أساسياً مسبقاً لضمان تحقيق الانتعاش الاقتصادي المستدام ونجاح الإصلاحات الهيكلية الموضوعة.
  • الاستثمار في المواهب وتحسين بيئة الأعمال – يجد قسم كبير من الشباب العربي صعوبة في دخول أسواق العمل الرسمية، وذلك لأن أنظمة التعليم والتدريب ليست مصممة بشكل جيد لتوفير المهارات الوظيفية المطلوبة، ناهيك عن العقبات الكثيرة التي تعيق نماذج ريادة الأعمال (بما في ذلك ضعف فرص الوصول إلى التمويل، والأطر التنظيمية المترهلة، وأسواق العمل غير الفعالة). ويتطلب زيادة فرص العمل في القطاع الخاص إجراء إصلاحات جوهرية لتحسين جودة التعليم، وبناء المهارات الضرورية لتلبية متطلبات سوق العمل، وتذليل العقبات التي تعيق دخول الشركات الجديدة إلى الأسواق، وتمنع الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة القائمة من توسيع نطاق نموها.
  • تجديد أنظمة الحماية الاجتماعية – ساعد القرار الذي اتخذته العديد من الحكومات العربية العام الماضي بتوسيع نطاق شبكاتها الخاصة للحماية الاجتماعية في الحد من تأثير الوباء على الفئات الأضعف (بمن في ذلك الشباب الذين فقدوا وظائفهم). ولا بد في المرحلة القادمة من إعادة تصميم الميثاق الاجتماعي في المنطقة حتى يستجيب للتطلعات المشروعة للشباب العربي في الحصول على الخدمات الأساسية بشكل متكافئ (مثل الرعاية الصحية، والتعليم، وأشكال الدعم المستهدفة لإيجاد الوظائف أو تكوين أسرة).
  • تعزيز الثقة بالمؤسسات يؤكد الاستطلاع أن العديد من الشباب العربي لا يزالون يعتبرون المحسوبية والفساد عقبة أساسية أمام التقدم الاجتماعي والوصول إلى أسواق العمل الشاملة. ولطمأنة هؤلاء بأن الحكومات تقف في صفهم وتقّدم الفرص لكل من يحتاجها، لا بد من تجديد جهود مكافحة الفساد وتوفير السلع والخدمات العامة على نحو أكثر كفاءةً وشفافية.
  • تبني الرقمنة – من شأن التبني السريع للرقمنة والاستثمار في التقنيات الجديدة أن يدعم مسار التغيير والشمول، وسيكون الشباب العربي (وخاصة الشابات) الأكثر استفادةً من الفرص الجديدة المرتبطة بالعمل عن بعد، والتعلم عبر الإنترنت، والتمويل الرقمي، والتجارة الإلكترونية.

من شأن جدول الأعمال الطموح هذا أن يؤدي إلى نتائج ملموسة في غضون سنوات قليلة فقط إذا تم الإسراع في تنفيذه، ولا ينبغي لذلك بطبيعة الحال أن يمنع صنّاع السياسات من بدء دفعة جديدة من الإصلاحات. وحتى لا تضيع المشاعر الإيجابية الراهنة للشباب العربي سدىً، يتعين على صنّاع السياسات الشروع فوراً بتدابير وإصلاحات ملموسة لتعزيز أمل الشباب في بناء مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.

الاقتباسات

1- يشكّل استطلاع 2021 دعوة عمل حقيقية إلى صناع القرار العرب؛ خصوصاً وأنه كشف عن نتيجة جيدة، وغير متوقعة إلى حد ما، بأن الجائحة لم تزعزع ثقة الشباب العربي بتحقيق مستقبل أفضل. ويوفر هذا المستوى العالي من التفاؤل والمشاعر الإيجابية حيال المستقبل أرضية راسخة لتحقيق التعافي والمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الضرورية التي طال انتظارها لتوفير فرص أفضل للشباب في المنطقة. ويدفعني ذلك إلى دعوة صناع السياسات، ليس فقط لتخفيف وطأة التداعيات المباشرة للجائحة، وإنما أيضاً لإعادة التفكير في طريقة تصميم استراتيجيات النمو في المنطقة العربية.

2- ثمة حاجة ملحة برأيي إلى وضع نموذج تنموي جديد وعقد اجتماعي جديد أيضاً. وللنجاح في ذلك، يتعين على صناع القرار أن يضعوا قضية الشباب في صميم أجندة الإصلاح الهيكلي المطلوبة لبناء اقتصادات أكثر مرونة واستدامة وشمولية.

يتولى الدكتور جهاد أزعور منصب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، كما شغل سابقاً منصب وزير المالية في لبنان من عام 2005-2008 حيث عمل حينها على تنسيق تنفيذ مبادرات مهمة للإصلاح على المستوى الوطني وداخل وزارة المالية. وتقلّد أزعور العديد من المناصب في القطاع الخاص، ومن أبرزها منصب نائب الرئيس والمستشار التنفيذي الأول في شركتي “ماكينزي آند كومباني” و”بوز آند كومباني” من 2009 -2013. وقبل انضمامه إلى صندوق النقد الدولي، تولى أزعور منصب مدير شريك في “إنفنتيس بارتنرز” للاستشارات والاستثمار. ويحمل أزعور درجة الدكتوراه في العلوم المالية الدولية ودرجة علمية عليا في الاقتصاد الدولي والعلوم المالية، وكلاهما من معهد الدراسات السياسية في باريس.