ثنائية القوة والنفوذ بين الولايات المتحدة والصين ستضفي بعداً جديداً على السياسة الخارجية في المنطقة

كيم غطاس – صحافية ومؤلفة ومحللة

 

لو كان النفوذ الأمريكي يتضاءل كما تشير العديد من وسائل الإعلام، فلن يكون هذا الانطباع في محله لمن يقرأ نتائج استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي 2021 والذي كشف في إحدى نتائجه أن: الشباب العربي لا يزال ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً في المنطقة، تليها السعودية والإمارات في المرتبتين الثانية والثالثة.

وإذا كان الحديث يدور حول التراجع والابتعاد عن الولايات المتحدة، فإن الاستطلاع يظهر أن غالبية صغيرة من الشباب العربي لا يزالون ينظرون إليها كحليف لبلدانهم.

تشكل هاتان النقطتان – واللتان أتناولهما بمعزلٍ عن أي مواضيع أخرى – من أكثر نتائج الاستطلاع إثارة للدهشة.

فحتى مع إشارة إدارة الرئيس بايدن إلى رغبتها في استبعاد الشرق الأوسط من قائمة أولوياتها والتركيز بدلاً من ذلك على المنافسة مع الصين، وحتى مع تولي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة زمام المبادرة في عدد كبير من السياسات التي تشكّل مستقبل المنطقة، يصعب جداً على أي متابع للشأن السياسي أن يتصور ابتعاد الولايات المتحدة بهذه البساطة بعدما بقيت عقوداً طويلة المحرك الرئيس لخيوط اللعبة في الشرق الأوسط.

والتأثير لا يعني بالضرورة أن يكون إيجابياً؛ فقد يتجلى على شكل إحساسٍ بالتخلي أو حتى تعبيرٍ عن أمل. والبلدان التي حققت فيها الولايات المتحدة أعلى النسب لناحية التأثير هي تلك التي قد يكون فيها لكل خطوة تقوم بها تأثير مباشر جداً على حياة الناس أو شعورهم بالأمن، كما هو الحال في العراق (79%) ولبنان (59%) ومؤخراً في السودان (49%).

يقع العراق ولبنان في قلب الصراع الإقليمي بين إيران وحلفائها من جهة وأولئك الذين يقاومون النفوذ الإيراني في المنطقة من جهة ثانية. وتتأثر هذه المجتمعات على الفور بالعقوبات المفروضة على الميليشيات الشيعية والجماعات السياسية مثل حزب الله، أو اغتيال قادة مثل قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

ومن هنا تحديداً جاء التعبير عن الأمل. فحتى مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان (ورغم إجراء الاستطلاع قبل الانسحاب الفعلي إلا أنه كان يلوح في الأفق بالفعل) والحديث كذلك عن سحب القوات الأمريكية من العراق وسوريا، فإن الشعور بالتخلي لدى بعض حلفائها في المنطقة لا يقلص من غالبية الشباب العربي الذين ما زالوا يعتبرون الولايات المتحدة حليفاً لبلدانهم – أقلّه في بعض الحالات التي تلعب فيها دوراً رئيسياً في سياسات مواجهة واحتواء إيران التي ينظر إليها 64% من المشاركين في الاستطلاع على أنها عدو لبلدانهم.

ورغم تخوف الكثيرين من تبني الولايات المتحدة نهجاً أكثر مرونةً تجاه إيران بعد انتخاب الرئيس بايدن، إلا أن هذا الافتراض لم تثبت صحته حتى الآن؛ ويشار هنا إلى أن عدد الشباب العربي الذين يعتبرون الولايات المتحدة حليفاً لبلدانهم قد ارتفع في الواقع بمقدار 11 نقطة منذ عام 2017؛ فكانت نسبة هؤلاء 46% في عهد الرئيس ترامب، وأصبحت 57% في عهد الرئيس بايدن.

وفي نتيجةٍ قد تهم دولاً مثل الإمارات العربية المتحدة، التي وقعت على الاتفاقيات الإبراهيمية للسلام، والمملكة العربية السعودية التي لطالما أنكرت هذا الاحتمال، قال 88% من الشباب العربي المشاركين في الاستطلاع إنهم يعتبرون إسرائيل عدواً.

إذا قمنا بتحليل أوسع للأرقام المتعلقة بالدول الحليفة والعدوة ومقارنتها بنظرة الشباب العربي تجاه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى إيران والصين، يمكننا اكتشاف توجهات مثيرة للاهتمام تصب بمجملها في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها لصنع القرار السياسي في المنطقة مستقبلاً.

تحتل الصين (بنسبة 79%) مرتبة متقدمة في قائمة الدول التي يعتبرها الشباب العربي حليفةً لبلدانهم، وتأتي بعد الإمارات ومصر والسعودية (وجميعها تتجاوز 80%). وتعتبر مكانة الصين في هذه القائمة انعكاساً لنهجها في السياسة الخارجية وتاريخها مع المنطقة. وتزيد بكين مشاركتها في المنطقة من خلال التركيز على تمويل المشاريع الكبرى، بما في ذلك مشاريع البنى التحتية الرئيسية من العاصمة الإدارية الجديدة في مصر إلى نيوم في المملكة العربية السعودية وميناء حيفا في إسرائيل.

وخلافاً للولايات المتحدة، تنأى بكين بنفسها عن أي مناقشات تتعلق بحقوق الإنسان أو حرية الفكر أو الديموقراطية، وبالتالي فإن نهجها التجاري المحض يروق لحكومات المنطقة وحتى القطاع الخاص في الوقت الحالي. لكنها كوافد جديد نسبياً على المشهد الإقليمي مقارنةً بالولايات المتحدة، ابتعدت بكين أيضاً عن التجاذبات السياسية للمنطقة – سواء ما يتعلق منها بالتنافس الإيراني السعودي، أو الصراع العربي الإسرائيلي، أو السياسات العراقية المعقدة. وبذلك تجنبت لعبة الانطباعات السائدة تجاه أمريكا – بمقاييس الحب والكراهية – وأتاح لها هذا الأمر التنعم بالنظرة الإيجابية لها كحليف. ولكن في المقابل، لم تتعدى نسبة الشباب العربي الذين يعتقدون أن للصين أي تأثير في المنطقة 11% فقط. قد يكون التشبث بدور حيادي في السياسة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط صعباً على المدى الطويل بالنسبة للصين. وبالفعل، فقد قوبلت مذكرة التفاهم ذات الميزانية الضخمة التي أبرمتها مع إيران بتخوف الكثيرين داخل إيران، حيث لا يزال الناس هناك يتطلعون إلى الولايات المتحدة كنموذجٍ للإلهام والأمل.

وبينما تفكر الولايات المتحدة في منافستها مع الصين، يجب أن تتوقع شكل تلك المنافسة في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يتعين على واشنطن أن تكون حذرة حيال استثمارات بكين في الشرق الأوسط والتي غالباً ما تركز على المشاريع التي لا تحسن حياة الناس بشكل ملموس. ويمكن لواشنطن أن تبحث عن وسائل للتنسيق مع حلفائها الإقليميين لتوجيه الاستثمارات الصينية بشكل إيجابي نحو الجوانب التي لا تزال فيها المنطقة متأخرةً عن ركب التقدم العالمي، وهذا يمكّن الولايات المتحدة من تكريس نهجٍ بنّاء يتماشى مع وعد الرئيس بايدن بنسخة عالمية من برنامجه التنموي “إعادة البناء بشكل أفضل” (Build Back Better)، والذي يهدف لمعالجة مسائل التغير المناخي، والمساواة بين الجنسين، والجوانب التنموية الأخرى.

ومع قيام المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بتطوير علاقات أوثق مع بكين، فإنهما يعلمان كذلك أنه لا يمكن من نواحٍ كثيرةٍ الاستغناء عن الولايات المتحدة. وبالتالي فقد تلعب الدولتان دوراً إيجابياً في تخفيف حدة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، على الأقل في منطقة الشرق الأوسط. وقد يساعد ذلك بطبيعة الحال في مواجهة التحديات مثل طموحات إيران النووية عبر مفاوضات مجموعة (5 + 1). والأهم من ذلك أن هذا الدور قد يساعد أيضاً في تمهيد الطريق للاستثمارات والمشاريع التي يمكن أن تؤثر إيجاباً على المجتمعات، بدءاً من فرص العمل المستدامة وانتهاءً بالتطور التكنولوجي وحلول مكافحة تغير المناخ، وبالتالي تمنح شباب المنطقة سبباً للبقاء في بلدانهم.

الاقتباسات

1- حتى مع إشارة إدارة الرئيس بايدن إلى رغبتها في استبعاد الشرق الأوسط من قائمة أولوياتها والتركيز بدلاً من ذلك على المنافسة مع الصين، وحتى مع تولي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة زمام المبادرة في عدد كبير من السياسات التي تشكّل مستقبل المنطقة، يصعب جداً على أي متابع للشأن السياسي أن يتصور ابتعاد الولايات المتحدة بهذه البساطة بعدما بقيت عقوداً طويلة المحرك الرئيس لخيوط اللعبة في الشرق الأوسط.
2- خلافاً للولايات المتحدة، تنأى بكين بنفسها عن أي مناقشات تتعلق بحقوق الإنسان أو حرية الفكر أو الديموقراطية، وبالتالي فإن نهجها التجاري المحض يروق لحكومات المنطقة وحتى القطاع الخاص في الوقت الحالي. لكنها كوافد جديد نسبياً على المشهد الإقليمي مقارنةً بالولايات المتحدة، ابتعدت بكين أيضاً عن التجاذبات السياسية للمنطقة – سواء ما يتعلق منها بالتنافس الإيراني السعودي، أو الصراع العربي الإسرائيلي، أو السياسات العراقية المعقدة. وبذلك تجنبت لعبة الانطباعات السائدة تجاه أمريكا – بمقاييس الحب والكراهية – وأتاح لها هذا الأمر التنعم بالنظرة الإيجابية لها كحليف.

كيم غطاس هي صحافية ومؤلفة ومحللة تحظى بخبرة تزيد على عشرين عاماً في مجالات الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي والمسموع، وتغطي قضايا الشرق الأوسط والشؤون الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية. عملت غطاس مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وصحيفة فاينانشال تايمز، ودي فولكسكرانت. وكانت جزءاً من فريق بي بي سي الحائز على جائزة إيمي عام ٢٠٠٦ عن تغطية الحرب في لبنان، وهي حالياً زميلة أولى غير مقيمة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. ألفت غطاس كتاب “الموجة السوداء: المملكة العربية السعودية وإيران، والصراع الذي دام أربعين عاماً، والذي كشف خفايا الثقافة والدين والذاكرة الجمعية في الشرق الأوسط” (الصادر عن دار نشر “هنري هولت” في يناير ٢٠٢٠)، وكذلك الكتاب الناجح “الوزيرة: رحلة مع هيلاري كلينتون من بيروت إلى قلب القوة الأمريكية” (الصادر عن ذات الدار في فبراير ٢٠١٣). وتساهم غطاس بمقالات منتظمة في صحيفة “أتلانتك”، وتعمل محللة على قنوات “إم إس إن بي سي” و”سي إن إن” و”إن بي آر” وغيرها. ولدت غطاس وعاشت في بيروت، وتحمل الجنسيتين اللبنانية والهولندية. وهي عضوة في مجلس أمناء الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي مجلس إدارة شبكة “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” (أريج).