آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

الشباب العربي يبحث عن بارقة أمل جديدة تعوض حسرة الإحباط بعد تباشير التحول الكبير

أفشــين مولافي

أفشــين مولافي

أفشــين مولافــي هــو زميــل أول فــي معهــد الشــؤون الخارجيــة بجامعة جــون هوبكنز للدراســات الدولية المتقدمــة فــي واشــنطن، حيــث يكتب بشــكل موســع عن الأســواق الناشــئة، وموضوعــات الاقتصاد السياســي فــي الشــرق الأوســط، و“طريــق الحريــر الجديــد”، وتداخل العوامل الجيوسياســية مــع الاقتصاد لبحــث محركات ً لاب” التــي تم إطلاقهــا حديثا85 المديــر المشــارك لمبــادرة “إيمــرج ًالعالمــي. وهــو أيضــا التغييــر الاقتصاديــة والتجاريــة والثقافيــة فــي أمريــكا اللاتينيــة وآســيا وأفريقيــا. ويكتــب مولافي منذ ســنوات فــي صحــف ومجــلات مثــل “فايننشــال تايمــز”، و“ذا نيويــورك تايمز”، و“فريــن بوليســي”، و“بلومبيرج فيــو”، و“ذا واشــنطن بوســت”، و“نيوزويــك”، و“بزنــس ويــك”، و“جورنال أوف كوميرش”، و“ناشــيونال جيوغرافيــك”، و“إنستيتيوشــنال إنفســتور”؛ كمــا يظهــر بشــكل دوري علــى قنــوات “ســي إن إن”، و“بــي بي ســي”، و“العربيــة”، و“ســكاي نيوز عربيــة”، وغيرها.

السنوات العشر الماضية

أراد طه الشاذلي شيئين فقط: وظيفة والشعور بالكرامة. ولم يحصل على أي منهما عندما تم صرفه بشكل غير رسمي من امتحانات القبول بكلية الشرطة في القاهرة بسبب تواضع المستوى الاجتماعي لوالده الذي يعمل حارس عقار.

وعندما أسرَّ طه بهمّه إلى صديقته بثينة، وهي فتاة مراهقة تبدو أكبر من سنها وكانت ضحية للعديد من محاولات التحرش، نصحته قائلةً: «أنت تدخل بمجموعك ده أحسن كلية في الجامعة، وتتخرج بتفوق وتطلع على بلد عربي تجيب قرشين وترجع هنا تعيش ملك..». واستطردت قائلةً: «البلد دي مش بلدنا يا طه، دي بلد اللي معاه فلوس. لو كان معك عشرين ألف جنيه ودفعتهم رشوة. حد كان سألك عن شغلة أبوك؟! أعمل فلوس يا طه تكسب كل حاجة، أما لو فضلت فقير حتندهس دهس».

كان هذا الحوار المفعم بالمرارة من رواية «عمارة يعقوبيان» التي صدرت للكاتب المصري علاء الأسواني في عام 2004 بمثابة وضع اليد على الجرح للكثير من الشباب العرب الذين ينتمون إلى طبقة الفقراء في بلدان شمال أفريقيا. لا يهم إن كان طه الشاذلي طالباً موهوباً ومجدّاً في دراسته، ولا يهم أيضاً أن يتفوّق في امتحانات كلية الشرطة؛ فمجرد أنه لا يمتلك مالاً للرشوة أو «واسطة» تدعم طلبه، فهذا كفيل بتبديد أحلامه ودفعه إلى المغادرة.

في مساء ذلك اليوم، بدأ طه الشاذلي بكتابة رسالة إلى رئيس جمهورية مصر يشكو إليه الأمر بشكل مباشر. وبعد اعتقاله وضربه من قبل الشرطة، شق طه طريقه نحو التطرف الإسلامي.

بالنسبة للكثير من الشباب العربي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، تبدو استكانة بثينة وغضب طه أمراً مألوفاً. صحيح أن أغلب الشباب لا يدفعهم ذلك إلى الالتحاق بالحركات المتطرفة، ولكنهم يسعون بدلاً من ذلك إلى الهجرة، أو يتحملون ضيق العيش، أو يعيشون حياةً مستهترة يهدرون فيها طاقاتهم بلا طائل. وبعثت الثورات العربية (بالكاد يمكن استخدام كلمة «ربيع» لوصف الأحداث الدامية في سوريا) الكثير من الأمل خلال سنواتها الأولى، لكنها أفضت في نهاية المطاف إلى درجات متفاوتة من خيبة الأمل.

وحسبما يكشف استطلاع رأي الشباب العربي الأخير، فإن 56% من الشباب العربي ينظرون إلى الثورات العربية باعتبارها تطوراً سلبياً. وهناك واحد فقط من أصل كل خمسة مشاركين في الاستطلاع يعتبرها تطوراً إيجابياً. وكان الشباب التونسيون والليبيون الأكثر حماساً إزاء تداعيات ما يسمى «الربيع العربي»، إذ يقول 50% و42% منهم تباعاً أن هذه الأحداث كانت إيجابيةً. وفي المقابل، فإن أقل من ربع الشباب المصريين يعتبرون الثورات العربية حدثاً إيجابياً بينما يراها 52% منهم سلبيةً.

لقد مر وقت طويل منذ انطلاق التظاهرات في ميدان التحرير، حينها لاحت التباشير الأولى لفجر جديد، بيد أن «التحول الكبير» الذي بشرت به الثورات العربية أفضى بدلاً من ذلك إلى «انحدار كبير».

وفي مقال صريح إلى حد المرارة، كتب وائل غنيم – مدير التسويق السابق في شركة «جوجل» وأحد أبطال ثورة 25 يناير في أيامها الأولى – متحدثاً عن خبو بريق الربيع العربي وخيبة أمله الشخصية منذ مغادرة مصر.

وفيما كتبه غنيم: «بنفس السرعة التي انطلق بها، بدأ الربيع العربي يتلاشى. إن السلطة تفسد حتى أصحاب النوايا الطيبة، لقد رأيت وعشت ذلك كل يوم... جماعات المعارضة أعماها انتصار 25 يناير؛ لم تثق ببعضها البعض، وافتقرت إلى التعاطف والتفهم، وأحياناً أجد نفسي أنا أيضاً أفتقر لها. جميعنا نشارك بشكل أو بآخر فيما كنا ننتقد نظام مبارك على فعله».

بالنسبة لوائل غنيم، كان هناك – وهنا أقتبس المصطلح من عالم التكنولوجيا الذي ينتمي إليه – استراتيجية للخروج. فمع مستواه الأكاديمي المتميز، يستطيع أن يغادر مصر ويجد لنفسه مكاناً جديداً في العالم، أن يعمل في وادي السليكون أو باحثاً زميلاً في جامعة هارفارد كما حدث بالفعل. أما بالنسبة لغالبية الشباب المصري، فإن استراتيجيات الخروج هذه هي مجرد أضغاث أحلام.

السنوات العشر القادمة

لا تزال البطالة مشكلة عصية على الحل. عشية الثورات العربية، كان معدل البطالة بين شباب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو الأعلى في العالم بنسبة تقارب 25%. واليوم، وبعد 7 سنوات من التغييرات الجوهرية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، شيء واحد فقط بقي على حاله دون تغيير: معدل بطالة الشباب ما يزال 25%.

لا شك أن البطالة هي التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي، والشباب يدركون ذلك جيداً. وقد دأبوا على رفع صوتهم عالياً لحث أصحاب القرار على النظر في هذه المشكلة التقليدية الملحة طيلة عشر سنوات من عمر استطلاع رأي الشباب العربي وقبل ذلك. وعلى مر السنوات العشر الماضية، أخفقت الحكومات العربية إلى حد كبير في إنجاز هذا المطلب.

وفي الاستطلاع الأخير، أشار الشباب العربي في شمال أفريقيا إلى «توفير وظائف جديدة ذات دخل جيد» و«تضييق الخناق على الفساد الحكومي» باعتبارهما الأولويتان الأبرز بالنسبة لهم. بينما جاء «توفير وظائف جديدة ذات دخل جيد» في صدارة أولويات الشباب بمنطقة شرق المتوسط.

وغنيٌ عن القول أن توفير الوظائف في عصر تسوده الأتمتة والروبوتات هو التحدي الأبرز في عالمنا المعاصر، ولكن لا بد في جميع الأحوال من معالجته؛ فمستويات الإحباط بين الشباب في شمال أفريقيا وشرق المتوسط لا يمكن التغاضي عنها، إن كان على الصعيد السياسي أو الأخلاقي.

ويشعر الشباب في شرق المتوسط بإحباط كبير من واقع منطقتهم؛ إذ تعتقد الغالبية العظمى – وبنسبة 85% - من شباب هذه المنطقة، بدءاً من لبنان والأردن وصولاً إلى الأراضي الفلسطينية، أن الشرق الأوسط يسير في الاتجاه الخاطئ. ويتباين ذلك إلى حد كبير مع آراء الشباب في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يمتلك هؤلاء نظرةً إيجابية حيال توجه المنطقة، بينما نشهد انقساماً متكافئاً في الآراء بين الشباب في شمال أفريقيا.

ويكشف استطلاع رأي الشباب العربي 2018 مجدداً عن انقسام حاد في الآراء بين شباب الدول الخليجية والمناطق الأخرى. ويبدو واضحاً من نتائج الاستطلاع أن الشباب الخليجي يعيشون في عالم مختلف تماماً عن أقرانهم في بقية المناطق العربية، وهذا بدوره أمر لا يمكن إغفاله أيضا.

بعد مرور 10 سنوات على إطلاق استطلاع رأي الشباب العربي، بات أمام القادة العرب الآن كم كبير من المعطيات المسحية التي تعينهم على فهم احتياجات الشباب في بلدانهم. ووسط هذا الرصيد الغني من البيانات، تظهر بوادر طيبة لدى الشباب رغم مظاهر الاستياء الواضحة؛ فالغالبية العظمى من الشباب ينبذون الجماعات الإرهابية مثل «داعش»، ويطالبون بمزيد من الشفافية ومساءلة الحكومات. وهم أيضاً يريدون الحصول على وظائف، وإصلاح أنظمة التعليم، ويبحثون عن الفرص، ويفضلون البقاء في أوطانهم والمشاركة في بنائها على مغادرتها... هم ببساطة يريدون الأمل والعيش بكرامة.

هذه بلا شك مطالب محقة يتشاركها الشباب حول العالم من أفريقيا إلى آسيا وصولاً إلى أمريكا اللاتينية. ويكفي إلقاء نظرة فاحصة على نتائج استطلاع رأي الشباب العربي خلال السنوات العشر الماضية حتى ندرك أننا أمام شباب محبط ولكن براغماتي، تواقٌ إلى العمل الهادف، ولا يثق كثيراً بالحلول الطوباوية أو المثالية.

استذكر هنا لحظةً في نهاية رواية «السمّان والخريف» التي صدرت لنجيب محفوظ عام 1962؛ إذ يحدث بعد الثورة المصرية عام 1952 أن يلتقي سياسي بارز سابق وجهاً لوجه مع شاب كان قد سجنه فيما مضى. وحدث اللقاء في أحد ميادين القاهرة تحت تمثال سعد زغلول، وهو زعيم مصري بارز خلال نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد أراد الشاب أن يتجاذب أطراف الحديث مع الرجل الثمل، غير أن الأخير اعتبره متطفلاً وصد جميع محاولاته للتكلم.

وعندما مشى الشاب في طريقه، غيَّر السياسي السابق رأيه وجرى خلفه قائلاً في نفسه «أستطيع أن ألحق به على شرط ألا أضيع ثانية في التردد».

كان هناك الكثير من التردد؛ وقد خذلت الحكومات العربية شبابها إلى حد كبير، وكانت «ثوراتهم» مخيبة للآمال. ولكني سأبقى أراهن على آمال وطموحات الشباب العربي.

لا بد من لحظة ينتهي فيها هذا التردد وتتحقق طموحات الشباب العربي... عندها فقط يمكن أن تزهر أحلام طه الشاذلي وبثينة في العالم العربي وخارجه، وإلا ستضيع سدىً في دوامة المجهول.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.