آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

جيل يتسم بالواقعية، أحلام الشباب العربي ليست متطرفة أو ثورية

أفشــين مولافي

أفشــين مولافي

أفشــين مولافــي هــو زميــل أول فــي معهــد الشــؤون الخارجيــة بجامعة جــون هوبكنز للدراســات الدولية المتقدمــة فــي واشــنطن، حيــث يكتب بشــكل موســع عن الأســواق الناشــئة، وموضوعــات الاقتصاد السياســي فــي الشــرق الأوســط، و”طريــق الحريــر الجديــد”، وتداخل العوامل الجيوسياســية، والاقتصاد العالمي. ويكتــب مولافي منذ ســنوات فــي صحــف ومجــلات مثــل “فايننشــال تايمــز”، و”ذا نيويــورك تايمز”، و”فوريــن بوليســي”، و”بلومبيرجفيــو”، و”ذا واشــنطن بوســت”، و”نيوزويــك”، و”بزنــس ويــك”، و”جورنال أوف كوميرس”، و”ناشــيونال جيوغرافيــك”، و”إنستيتيوشــنالإنفســتور”؛ كمــا يظهــر بشــكل دوري علــى قنــوات “ســي إن إن”، و”بــي بي ســي”، و”العربيــة”، و”ســكاي نيوز عربيــة”، وغيرها. وهو مؤسس ورئيس تحرير “نيوسيلك رود مونيتور”.

عبّر فادي غندور، وهو رائد أعمال ومستثمر في قطاع التقنية في العالم العربي، ذات مرة عن إعجابه بعالم الإنترنت الواسع قائلاً: “لا مكان للواسطة على شبكة الإنترنت”. ونعني بالواسطة استغلال العلاقات بين الشخصيات الرفيعة لتسهيل عمل الشركات أو تحقيق أهداف سياسية، أو ربما على صعيد التوظيف أو الدراسة الجامعية وغيرها. ومن شأن الاعتماد الكبير على الواسطة واستخدام النفوذ بهذا الشكل أن يفسد المجتمعات ويعيق نموها، فضلاً عن إثارة الاضطرابات وتبديد إمكانات الكثيرين من الشباب العربي الذين ينشدون ببساطة فرص عادلة ونزيهة.

وعند النظر في الصفقات التي لم تعتمد على أي من أشكال الواسطة، مثل صفقة استحواذ شركة النقل التشاركي العالمية “أوبر” على منافستها الإقليمية “كريم”- التي تتخذ من دبي مقراً لها- مقابل 3,1 مليار دولار في أواخر مارس 2019؛ أو حين قامت شركة “أمازون” العالمية، عملاق التجارة الإلكترونية، بشراء شركة “سوق.كوم”، عملاق التجارة الإلكترونية في الوطن العربي مقابل 600 مليون دولار في عام 2017، نرى أن أكثر ما كان يهم “أوبر” و”أمازون” هي الأرقام وليس الواسطة. فقد كانت “كريم” و”سوق.كوم” تحققان أرقاماً مذهلة في نموهما المطرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان.

ونتيجة لذلك، يحظى أشخاص أمثال مؤسسي سوق.كوم وشركة “كريم” بإعجاب كبير من الشباب العربي، فهم بنظهرهم أشخاص بذلوا قصارى جهدهم وعملوا بنزاهة ليحققوا مثل هذه النجاحات الكبيرة. وقد اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الإخباري الأول الذي يعتمد عليه الشباب العربي (النتيجة رقم 10)، بأخبار النجاح الذي حققته “كريم”، حيث يرى العديد من الشباب أن مثل هذه الشركات أثبتت ما يمكن للمجتمعات تحقيقه بعيداً عن الواسطة.

وقد يوضح ذلك سبب اختيار الشباب العربي في الاستطلاع دولة الإمارات العربية المتحدة للعام الثامن على التوالي على أنها الدولة التي يفضلون العيش فيها، والنموذج الذي يتمنون لبلدانهم الاقتداء به. وفي حين أنه لا توجد دولة خالية تماماً من الواسطة، لكن ليس من قبيل المصادفة أن تختار “كريم” و”سوق.كوم” دبي مقراً لها، فهي تتمتع ببنية تحتية عالمية المستوى تدعم المواهب الناشئة، فضلاً عن أنها تحتضن واحدة من أفضل منظومات ريادة الأعمال وأكثرها تمرساً في المنطقة.

وعند سؤال الشباب العربي عن آرائهم حول دولة الإمارات، كان الرد الأبرز أنها “توفر مجموعة واسعة من فرص العمل”، تلاه في المرتبة الثانية “السلامة والأمن”، وثالثاً “الرواتب المجزية”. وبشكل عام، اتفقت الآراء على أن دولة الإمارات توفر لهم فرص مجزية للحصول على وظائف لائقة، وهو للأسف ما يعتبر شيئاً نادراً في العالم العربي.

وعلى مر السنين، أظهر استطلاع الشباب العربي بشكل واضح المطالب الواقعية للشباب العربي وهي الحصول على الوظائف والأمن والتعليم الجيد والمساءلة والمحاسبة في القطاع الحكومي، إلى جانب رفضهم للإرهاب والتطرف والفساد.

ووفقاً لتقرير صدر في عام 2018 عن وكالة“الفنار للإعلام”، والتي تغطي جميع توجهات التعليم في الوطن العربي، فإن الفشل في تحقيق تلك الطموحات والمطالب من جانب الحكومات التي ما زالت غارقة في الفساد وتعاني من تفشي ظاهرة الواسطة في مؤسساتها، من المحتمل أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات الاكتئاب والقلق لدى الشباب العربي. وقال جاستن توماس، أستاذ مساعد في قسم علم النفس بجامعة زايد في أبوظبي، في التقرير: “أينما نظرت ستجد الاكتئاب”. ويُظهر استطلاع رأي الشباب العربي أن حوالي شخص من كل ثلاثة من الشباب العربي يعرف شخصاً يعاني من الاكتئاب والقلق (النتيجة رقم 8). وباعتبار أن هذه الأمراض تعتبر شيئاً معيباً في العالم العربي، يشير الاستطلاع إلى احتمال أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك. وقد يوضح ذلك سبب إدراك الشباب العربي لتزايد تعاطي المخدرات بين أقرانهم (النتيجة رقم 7).

وفي مثل هذه الحالات، عندما يواجه الأشخاص أزمة تتعلق بمعنى وجودهم أو مشاعر من القلق والاكتئاب، قد يلجؤون حينها إلى معتقداتهم الدينية بحثاً عن الطمأنينة الروحية. لكن تُظهر إحدى نتائج الاستطلاع، أن شخصان من بين كل ثلاثة من الشباب العربي يعتقدون أن “الدين يلعب دوراً كبيراً في الشرق الأوسط”، ويرى %79 منهم أن “العالم العربي بحاجة إلى إصلاح مؤسساته الدينية” (النتيجة رقم1).

وهذا لا يعني تخلي الشباب العربي عن الدين، فالبيانات لا تظهر ذلك لكنها توضح أن الشباب العربي أصبحوا يفقدون ثقتهم أكثر في إدارة مؤسساتهم الدينية، وأنهم يرغبون بأن يكوندورها محدوداً في شؤون الدولة.

وبالنسبة لنا نحن، من اطلعوا على نتائج الاستطلاع منذ بدايته، تعتبر هذه النتيجة مفاجئة بعض الشيء. لكن في نهاية المطاف، تبقى الوظائف والأمن (الجسدي والمالي) والفرص في مقدمة تطلعات الشباب العربي، ولذلك يولون الاهتمام بالمؤسسات القادرة على مساعدتهم في تحقيق هذه الأهداف – والمؤسسات الدينية ليست واحدة منها. إلا أن هناك بعض الشخصيات الدينية البارزة أمثال الشيخ عبدالله بن بيه من “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، الذي عمل على تطوير مفهوم ديني يشجع التعددية الثقافية وقبول الآخر ويلقى استحسان الشباب العربي، وبالتالي قد يساعد في سد الفجوة بين الشباب والدين؛ ولكن يبدو أن هذه الفجوة تتطلب أكثر من ذلك.

إذاً، إلى من قد يلجأ الشباب العربي للحصول على المساعدة؟ من المدهش أن الجواب هو المؤسسة ذاتها التي ساهمت بأشكال عديدة في تبديد إمكاناتهم: الحكومة.

ويعتقد غالبية الشباب العربي أن التزام الحكومة تجاه مواطنيها لا يقتصر فقط على الرعاية الصحية والتعليم والأمن، بل على تأمين الوظائف والسكن لهم (النتيجة رقم 2). وهؤلاء الشباب الذين يسعون وراء فرص لا تنطوي على أي شكل من أشكال الواسطة، هم ذاتهم لا يمانعون وجود شبكة أمان اجتماعية أيضاً.

مرةً أخرى يظهر استطلاع رأي الشباب العربي أن مطالب وأحلام الشباب العربي ليست متطرفة أو ثورية، بل هي طموحات جيل عملي واقعي بعيد عن تلك المثاليات أو اتباع الشخصيات القيادية التي لطالما انقاد آبائهم خلفها، فهم مشغولون في البحث عن فرص العمل ومتابعة منصات التواصل الاجتماعي.