آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

الشباب العربي وثورة تجارة التجزئة عبر الإنترنت

سيريل فابر

سيريل فابر

سيريل فابر هو شريك ومدير في مكاتب شركة “باين آندكومباني الشرق الأوسط”، ويتولى منصب رئيس قسمَي التجزئة والمنتجات الاستهلاكية والأعمال العائلية للشركة في الشرق الأوسط. يتمتع فابر بخبرة تزيد عن 18 عاماً في مجال الاستشارات الإدارية، وتنفيذ الاستراتيجيات الفعالة لصالح كبار تجار التجزئة وشركات المنتجات الاستهلاكية. علاوةً على ذلك، يعمل فابر مع وكالات التنمية الاقتصادية لمعالجة موضوعات مثل استراتيجيات قطاع البيع بالتجزئة، والأمن الغذائي، والتصنيع في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. وهو عضو مجلس إدارة العديد من الشركات الناشئة في مجال التجارة الإلكترونية، ويحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال من معهد “إنسياد” بكلية “وارتون” لإدارة الأعمال.

آن لور مالوزا

آن لور مالوزا

تشغل آن لور مالوزا منصب مدير في مكتب “باين آندكومباني الشرق الأوسط”، وهي عضو نشط في أعمال البيع بالتجزئة والمجتمع والقطاع العام. عملت مالوزا مع مجموعة من عملاء القطاع الخاص في العديد من المجالات مثل البيع بالتجزئة، والمنتجات الاستهلاكية، والعقارات، والخدمات المصرفية، والمستحضرات الدوائية. كما قادت عدداً من المشاريع لمؤسسات القطاع العام تمحورت حول التنمية الاجتماعية والاقتصادية الوطنية، وتخطيط الرؤى، والتحول الحكومي، والتعليم، وريادة الأعمال، والابتكار. وتحمل مالوزا درجة الماجستير من كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون.

تعتبر الثورة الرقمية حديثة العهد في العالم العربي. وخلال الأشهر الـ 12 الماضية، ارتفعت نسبة تسوق الشباب العربي عبر الإنترنت من 53% إلى 71%. وفي حين أن معدل الانتشار لا يزال أقل من الدول الغربية مثل المملكة المتحدة (88%)، إلا أن وتيرة النمو تتسارع بشكل ملحوظ.

ورغم أن الشباب العربي يُعدّ واحداً من أذكى الشعوب في العالم، لكن لا تزال سوق التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا متخلفة عن باقي مناطق العالم.

وفي الواقع، وبحسب دراسة حديثة أجرتها شركتا “باين آندكومباني” و”جوجل”، بلغ سوق التجارة الإلكترونية بين الشركات والمستهلكين للسلع المعبأة (باستثناء السيارات، وتوصيل الطعام، والسفر) في هذه المنطقة 8,3 مليار دولار في عام 2017. وبالتالي، فإن التجارة الإلكترونية لا تمثل سوى 1,9% من إجمالي مبيعات التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (4% في دول مجلس التعاون الخليجي)، مقابل 15-10% في معظم الأسواق المتقدمة.

إذاً، لماذا تُعتبر سوق التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا صغيرة للغاية، على الرغم من أن 71% من الشباب يتسوقون عبر الإنترنت؟ الجواب هو لأن تواتر الشراء منخفض. ففي حين يتسوق المستهلكون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر الإنترنت مرتين أو أربع مرات في السنة، يتسوق المستهلكون الأمريكيون عبر الإنترنت نحو 19 مرة في السنة. ويعود هذا الاختلاف في تواتر الشراء إلى ثلاثة عوامل، الأول مرتبط بنقص الموارد و محدودية خيارات المنتجات المتاحة في المواقع الإلكترونية المحلية؛أما الثاني فيتعلق بالأداء الضعيف نسبياً في المرحلة الأخيرة لتوصيل المنتجات؛أما الثالث فيرتبط بانعدام الثقة واعتماد طريقة الدفع النقدي عند التوصيل في العالم العربي.

ومن الواضح أننا نشهد تقدماً ملموساً على صعيد العقبات التي تعترض النمو، حيث يقوم الوافدون الجدد إلى التجارة الإلكترونية - سواء من الشركات العالمية العملاقة التي تستثمر في المنطقة أو المشاريع المحلية الناشئة – باستقدام المزيد من الموارد إلى المنطقة. وتعمل التكنولوجيا الجديدة؛ مثل تحديد المواقع الجغرافية ونماذج الأعمال الجديدة، على الارتقاء بمستوى الخدمات في المرحلة الأخيرة لتوصيل المنتجات. على سبيل المثال، تستطيع شركة مثل Get Ir توصيل ما يصل إلى 1000 منتج لأي شخص في مدينة إسطنبول خلال 10 دقائق وسطياً. أما بخصوص انعدام الثقة والاعتماد على الدفع النقدي عند التوصيل، الذي يعتبر من أهم التحديات التي تواجه نمو التجارة الالكترونية في المنطقة. وبهذا الشأن يكشف استطلاع أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي 2019 عن تحول مهم، إذ تفضل غالبية الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (49% بالمجمل و60% في دول مجلس التعاون الخليجي) حالياً الدفع الإلكتروني على الدفع نقداً عند التوصيل.

وتُعدّ الملابس، ووجبات الطعام، والإلكترونيات، ومستحضرات التجميل على نحو أقل، المحركات الرئيسية للتجارة الإلكترونية بين الشباب العربي. كما تُعدّ هذه الفئات من أعلى فئات التجارة الإلكترونية أداءً في العالم، إلا أن ترتيبها يختلف في المنطقة. وشهدت خدمة توصيل وجبات الطعام الجاهزة تطوراً في منطقة الشرق الأوسط، حيث يختار أكثر من 37% من الشباب طلب الطعام عبر الإنترنت. ونتيجةً لذلك، بات توصيل الوجبات الجاهزة في المملكة العربية السعودية يمثل 13% من مجمل قطاع الخدمات الغذائية ونحو30% من مبيعات الوجبات السريعة. ويُعدّ هذا رابع أعلى معدل انتشار بعد كوريا واليابان والمملكة المتحدة.

أما بالنسبة لشراء مستحضرات التجميل عبر الإنترنت، فقد تطورت بشكل مذهل، إذ يعتمد عليها أكثر من 28% من الشباب (أي ما يقارب50% من النساء). ونتيجةً لذلك، تمثل هذه التجارة الآن 11% من إجمالي مبيعات مستحضرات التجميل بالتجزئة في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، مقارنةً بـ 9% فقط في الولايات المتحدة. وهذه هي الفئة الوحيدة التي يتجاوز انتشارها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعايير العالمية.

وفي المستقبل، ستظل الملابس، ووجبات الطعام، والإلكترونيات، ومستحضرات التجميل فئات أساسية، وستصبح البقالة الإلكترونية أكثر انتشاراً مما هي عليه اليوم. ففي عام 2017، شكلت البقالة الإلكترونية أقل من 1% من إجمالي مبيعات البقالة. ولكن منذ ذلك الحين، أطلق العديد من تجار التجزئة التقليدية حلول البقالة الإلكترونية الخاصة بهم، ودخلت العديد من الشركات الناشئة هذا المجال. أما بالنسبة لتوفر المنتجات وجودة تجربة العملاء فإنها تتحسن على نحو بطيء، إذ ما زال تجار التجزئة يتعلمون كيفية السيطرة على تحديات البيع عبر الإنترنت. وستساهم نماذج التوصيل المبتكرة مثل Get Ir وتطور نقاط شراء المنتجات أثناء قيادة السيارة في تعزيز نمو السوق. وبشكل عام، سوف تمثل البقالة الإلكترونية 4-3% من إجمالي مبيعات البقالة بحلول عام 2022.

نتيجةً لهذه التوجهات، ستواصل سوق التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموها السريع - بمعدل قدره 25 أو30% سنوياً - لتصل بحلول عام 2022 إلى 28 مليار دولار، أو 7% من إجمالي تجارة التجزئة. لذا، لا يمكن اعتبار التجارة الإلكترونية مجرد موضة جديدة، وإنما هي توجه أساسي يغير ملامح قطاع البيع بالتجزئة حول العالم، وكذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.