آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

الشباب العربي من إنهاء الصراعات إلى بناء المستقبل

فيصل اليافعي

فيصل اليافعي

فيصل اليافعي هو صحفي وشريك في وكالة الاستشارات الاستراتيجية “هيلدبراند نورد” التي تتخذ من لندن مقراً لها. عمل صحفياً في العديد من دول الشرق الأوسط، وكان صحفياً استقصائياً لجريدة “ذا جارديان” اللندنية، وصحفياً وثائقياً لمحطة “بي بي سي”. وقام اليافعي بتغطية العديد من الأحداث من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشرق أوروبا وأفريقيا. وتتناول مقالاته مواضيع السياسة الخارجية والاقتصاد والشؤون الدولية، ويتم نشرها في العديد من الصحف في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا. ويعد فيصل اليافعي ضيفاً دائماً على شاشات شبكات المحطات التلفزيونية مثل “سي إن إن” و”بي بي سي” و”فرانس 24”. وعلاوةً على ذلك، هو زميل جمعية “تشرشل” في لبنان وإندونيسيا.

“الإرهاق السياسي” هو حقيقة ملموسة في الشرق الأوسط. وبالنسبة لنا نحن الصحفيين الذين نرصد ونحلل معطيات المنطقة، قد نجد سياساتها المعقدة والمتغيرة مثيرةً للاهتمام. ولكن علينا ألا ننسى المقولة الشائعة التي تتحدث عن لعنة العيش في الأزمنة المهمة.

وبالنسبة لأغلب شباب الشرق الأوسط، فقد عاصروا جلّ حياتهم مراحل مفصلية للمنطقة.

وفي ضوء الحروب والثورات والاجتياحات والاحتلالات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مر غالبية الشباب العربي بمحن وتجارب عصيبة سواءً بشكل مباشر أو عبر تجارب الآخرين من الأصدقاء والأسر والزملاء. وحتى دول الخليج -التي تعد الأغنى في المنطقة- لم تكن بمعزل عن الاضطرابات والتداعيات الاقتصادية للحروب. فأن تعيش في الشرق الأوسط في هذا الوقت بالذات، فذلك يعني أنك تشهد العديد من التغييرات السياسية الخطيرة والمفاجئة.

فلا عجب حينما تكشف إحدى نتائج استطلاع رأي الشباب العربي عن رغبة شباب المنطقة بوضع حد لهذه الصراعات بأي طريقة كانت. حيث اعتبر المشاركون في الاستطلاع أن ثمن السلام يستحق ذلك.

وتبدو هذه النتيجة منطقية إلى حد بعيد؛ فمجتمعات الشرق الأوسط تتكون بنسبة 65% على الأقل من الشباب دون سن الثلاثين عاماً – ولهذا من الطبيعي أن تتمحور اهتماماتهم حول مسائل مثل بناء المستقبل والأسرة والحياة المهنية وما إلى ذلك.

وتحقيق مثل هذه الأهداف يستوجب الاستقرار واليقين: الاستقرار الذي يشجع الأفراد على استثمار أموالهم وطاقاتهم في الأعمال والوظائف، واليقين بأن أي اضطرابات سياسية مفاجئة لن تشتت أسرهم أو تهدم ما بنوه.

ومن المتوقع أن تفضي هذه السنوات الطويلة من الصراعات والتحولات السياسية إلى شيء من الإرهاق السياسي. وأوضح مثال على ذلك هو الحرب الأهلية في سوريا، حيث تشير نتائج الاستطلاع إلى وجود رغبة قوية لدى الشباب العربي بانتهاء هذا الصراع بصرف النظر عن نتائجه السياسية، ولا عجب في ذلك بعد ثماني سنوات من حرب وحشية هجّرت الملايين ودمرت حضارة بأكملها.

ومن بين الخيارين المطروحين في الاستطلاع – “لا يجب أن تنتهي الحرب إلى أن يصبح السوريون قادرين على انتخاب قادتهم بحريّة”، أو “يجب أن تنتهي الحرب سواء بقي بشار الأسد في السلطة أم لا” – اختارت الأغلبية الساحقة من الشباب العربي (73%) الخيار الثاني.

والمثير للاهتمام أن هذه النسبة كانت مستقرة إلى حد كبير عبر المناطق الجغرافية التي شملها الاستطلاع، فكانت نسبة الشباب الذين أيدوا هذا الخيار في منطقة شرق المتوسط (73%) – وهي المنطقة التي واجهت جحيم الحرب السورية - قريبة من النسبة المسجلة في منطقة شمال أفريقيا (70%) التي بالكاد وصلت تداعيات الحرب إليها.

ومع ذلك، فإن الإرهاق السياسي الواضح لدى الشباب العربي لا يتعلق فقط برغبتهم في انتهاء الصراعات الدائرة، بل يتعلق أيضاً ببناء مستقبلهم.

وعند النظر مجدداً إلى أهم التحديات التي تواجه الشرق الأوسط برأي الشباب العربي، ومع أن الصراعات الجيوسياسية كانت ضمن قائمة الخيارات العشرة الأولى، إلا أن التحديين الرئيسيين كانا ارتفاع تكاليف المعيشة (56%) والبطالة (45%)، وجاء تباطؤ النمو الاقتصادي في المرتبة الرابعة.

هناك قضايا سياسية جوهرية تشغل بال المجتمعات حول العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط. فالشباب أينما كانوا يتطلعون إلى بناء مستقبلهم، وهم قادرون على تحديد المعوقات التي تمنعهم من تحقيق ذلك.

في الواقع، ينطبق الأمر ذاته على جميع نتائج الاستطلاع المتعلقة بهذا الموضوع من حيث تحديد العقبات التي تحول دون تقدم الشباب العربي.

ويتجلى ذلك في مخاوفهم بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستمرار الأزمة الدبلوماسية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، وتصاعد المخاوف من تدهور العلاقات السنية الشيعية؛ فمن شأن هذه القضايا جميعاً أن تزعزع الاستقرار السياسي وتهدد النمو الاقتصادي في المنطقة.

وتحظى القضية الأخيرة (تزايد حدة التوتر بين المجتمعات السنية والشيعية) بأهمية خاصة؛ حيث يعد هذا الجيل من الشباب العربي، الذي نشأ بعد غزو العراق في عام 2003، أول جيل منذ فترة طويلة يعايش حدة الانقسام بين الطرفين إلى هذا الحد.

ولهذا النوع من الانقسامات تداعيات خطيرة في مجتمعات مختلطة مثل دول الشرق الأوسط؛ حيث أن أغلب البلدان العربية مثل لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن- تضم مجتمعات كبيرة من الشيعة مع تاريخ طويل من الزيجات المختلطة. وبذلك يمكن لتصاعد حدة التوترات بين الطائفتين السنية والشيعية أن يعود بأضرار جمة على مستوى العائلات والأعمال. وقد بلغت التوترات بين السنة والشيعة، التي يعود أغلبها لأسباب سياسية، حد الصدام العنيف في العديد من الدول. ولكن نتائج الاستطلاع تشير إلى أنه حتى المستوى الأدنى من هذه التوترات يمكن أن يضر بالمجتمع، وبالتالي يعيق تقدم الشباب العربي.

حل “غياب الوحدة العربية” في المرتبة الثالثة بين التحديات الأكبر التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، وهو جانب يستحق المزيد من الاهتمام والتعمق؛ خصوصاً وأن هذا العنوان قد تنضوي تحته العديد من الانقسامات العربية الحالية، مثل الأزمة الدبلوماسية التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد قطر، والخلافات بين لبنان وسوريا بشأن الحرب الأهلية السورية، والافتقار إلى موقف موحد بشأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولكن هذه التحديات بمجملها تحول دون استمرار وتحقيق المصالح المشتركة بين البلدان العربية؛ وهو أمر يثير قلق الشباب تحديداً باعتبارهم الأكثر ميلاً إلى السفر لأجل العمل أو الدراسة.

في وقتٍ بلغت فيه الانقسامات في الشرق الأوسط هذا الحد، لا عجب أن يشعر الشباب العربي - الذين تقع على عاتقهم مسؤولية بناء مستقبل المنطقة - بقلق عميق إزاء هذا المستوى من انعدام اليقين السياسي، ويريدون لذلك أن ينتهي في أقرب وقت. هذه بطبيعة الحال ضريبة العيش في مرحلة مفصلية. ولكن إذا استطـاع الشباب العربي طي صفحة الصراعات العربية مع الوقت، عندها فقط يمكنهم بناء مستقبل أفضل للمنطقة.