آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

خطر داعش لا يزال قائماً ... ولنا في التاريخ عبرة

حسن حسن

حسن حسن

حسن حسن هو زميل أول في «معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط» في العاصمة الأمريكية واشنطن، ويكتب عموداً دائماً في صحيفة «ذا ناشيونال» الناطقة بالإنجليزية في أبوظبي، وشارك في تأليف أحد كتب «نيويورك تايمز» الأكثر مبيعاً وهو كتاب «داعش: داخل جيش الإرهاب». يركز حسن على القضايا المتعلقة بدول مثل سوريا والعراق والبلدان الخليجية بالإضافة إلى الحركات الإسلامية في المنطقة. وهو كاتب مشارك في صحف «ذا غارديان»، و«فايننشال تايمز»، و«نيويورك تايمز»، ومجلتي «فورين بوليسي» و«فورين أفيرز».

عندما اجتاح «داعش» مساحات واسعة من شمال غرب العراق وشرق سوريا في صيف عام 2014، كانت إيديولوجيته جانباً محورياً في الجهود المبذولة لهزيمته بشكل دائم. حيث أن فكرة الخلافة تحديداً كانت على الدوام المحرك الرئيسي وراء الشباب المسلم للسفر والانضمام إلى التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا.

وفي إحاطة قدمها في يونيو 2016، قال بريت ماكغورك، المبعوث الرئاسي الخاص للولايات المتحدة في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»: «عندما سألت القادة في العواصم المختلفة عمّا يدفع شبابهم للانضمام إلى هذا التنظيم، كان القاسم المشترك في إجاباتهم جميعاً هو فكرة الخلافة التاريخية».

لقد تشرذمت الآن هذه الخلافة المعلنة؛ ومن جميع المناطق التي استولى عليها «داعش» سابقاً، لم يتبقَّ تحت سيطرته سوى بضعة جيوب صغيرة ومتفرقة في شرق ووسط وجنوب سوريا. صحيح أن مقاتليه لا يزال لديهم ملاذات آمنة يتحصنون بها وينشطون في العديد من البلدان، ولكن الخلافة المزعومة لم تعد قابلة للحياة في أي مكان بالمنطقة.

ومع الانحسار الجغرافي لنفوذ «داعش»، تأتي النتائج الأخيرة لاستطلاع رأي الشباب العربي لتوفر رؤى معمقة حول نظرة الشباب العرب إلى التنظيم ومستقبله.

وبينما كانت الإيديولوجية ذات مرة المحرك الدافع وراء ظهور «داعش»، فإن غالبية الشباب العربي اليوم يعتقدون بأن هزيمةً حتمية تنتظر «داعش» وإيديولوجيته (بنسبة 58%). وتعكس هذه النتيجة النظرة العامة في المنطقة إلى «داعش» في هذه المرحلة المفصلية من وجوده.

ومع ذلك، فإن إلقاء نظرة فاحصة سريعة على الظروف المحيطة بجاذبية «داعش» خلال السنوات الأربع الماضية من شأنه أن يقدم إشارات تحذيرية للحكومات في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.

منطلق الحديث أن «داعش» لا يحتاج إلى غالبيةٍ تدعمه ليستمر في الوجود كقوة هدامة في المنطقة. وقبل أن يستيقظ صناع القرار والمراقبون على خبر سيطرة «داعش» على الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، كان الناس في أنحاء المنطقة قد نبذوه بالفعل. فالتنظيم الذي يطلق على نفسه اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بات يدعى «داعش»، وهو اسم مختصر أريد منه الحط من قدر التنظيم وإظهار همجيته ووحشيته. كما استحضر عدد لا يحصى من رجال الدين والأفراد مصطلح «الخوراج» لوصف «داعش»، ومجرد هذه الصفة تعطي ضوءاً أخضر لمحاربة وقتل متطرفي التنظيم دون تردد.

ومع ذلك، كان التنظيم لا يزال قادراً على الاحتفاظ بنحو ثلث مساحة العراق ونصف مساحة سوريا خلال صيف عام 2014. والعبرة من ذلك أن لدى هذه التنظيمات ما هو أكثر من التأييد الشعبي أو عدمه، فهم يتغذون أيضاً على فراغ السلطة والمظالم واللامبالاة.

وعندما حقق «داعش» هذه المكاسب العسكرية، لم يعتمد فقط وجود أقلية تدعمه بل استند أيضاً إلى أن الغالبية المحلية ليست لديهم المصلحة في قتاله. بمعنى آخر، بالنسبة إلى «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية المماثلة، فإن اللا مبالاة المحلية إزائهم لا تقل أهمية عن الدعم النشط لقضيتهم. صحيح أن الناس مالوا إلى اعتبار التنظيم إرهابياً، ولكن غالبيتهم أيضاً أحجموا عن مواجهته عندما زحف إلى مناطقهم.

وجاء المجتمع الدولي لمحاربة «داعش» بعد شهور عدة في أواخر عام 2014 بعد أن استولى مقاتلوه على مناطق واسعة من العراق وسوريا. قبل ذلك وفي عام 2008، صرّح المسؤولون الأمريكيون والعراقيون بأن «داعش» فشل في إقناع العراقيين بإيديولوجيته، وكانت هزيمته آنذاك محققة أكثر مما هي عليه اليوم؛ ولكن التنظيم عاد أقوى من ذي قبل. وبالفعل، أعرب عدد قليل من المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأن «داعش» سيستعيد نفوذه ويؤسس خلافته في المستقبل (6%)، ويعتقد عدد أكبر بأن التنظيم سيبقى تهديداً إرهابياً كبيراً (18%).

ولم يطل انتظار «داعش» كثيراً بعد هزيمته ميدانياً ليعاود الهجوم في مناطق عدة من العراق وسوريا، وهذه المرة تحول مجدداً إلى تكتيكات حرب العصابات القديمة للاحتفاظ بقدرته على القتال وإلحاق الضرر.

وقد أثبتت هذه التكتيكات، مثل عمليات القتل المستهدف وهجمات الكر والفر، فعاليتها في إضعاف قوات الشرطة والجيش المحلية ومنع المواطنين من الالتحاق بهذه المؤسسات بين عامي 2008 – 2014. وفي أحد منشوارته الأخيرة، ادعى «داعش» أن معدلات هجماته قاربت المستويات التي بلغتها قبل السيطرة على الموصل عام 2014.

لا شك أن هجمات «داعش» المستمرة ستبقى مؤثرةً ما لم يتم مجابهتها بإجراءات عسكرية وسياسية مضادة لتعزيز المؤسسات الأمنية وإقناع المواطنين بأن لهم مصلحة كبيرة في الحفاظ عليها.

إن التفاؤل الذي يبديه الكثير من الشباب العربي في الاستطلاع يعترض سبيله العديد من المؤشرات السلبية، ومنها مثلاً أن البلدان مثل الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة لا يكترثون كثيراً بإعادة إعمار العراق وسوريا. وبذلك يبدو من الصعب أن يحافظ المرء على تفاؤله في إلحاق هزيمة دائمة بالمتطرفين دون إرادة حقيقية من الحكومات للقيام بما يلزم لتحقيق ذلك.

ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُسمح اليوم بتكرار نفس نماذج الآمال الكاذبة التي كانت موجودة عام 2008 وفي عام 2014. إن أغلب الشباب العربي يعتقدون بأن هزيمةً حتمية تنتظر «داعش» وإيديولوجيته، ولكن هذا رهن فقط بانفتاح الحكومات في المنطقة والعالم على إشراك هؤلاء الشباب ومعالجة المظالم التي قد تتسبب بعودة «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية الأخرى.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.