آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

الشباب العربي يعطي القادة دروساً في الواقعية السياسية

حسين إبيش

حسين إبيش

يشغل حسين إبيش منصب باحث مقيم أول في معهد دول الخليج العربية في واشنطن. وهو كاتب عمود أسبوعي في “بلومبرجأوبنين”، ومساهم منتظم في عدة منشورات أخرى. وله آلاف المساهمات عبر الراديو والتلفاز، كما عمل مراسلاً صحفياً من واشنطن لدى صحيفة “ذا ديلي ستار” (بيروت). وكان إبيش سابقاً زميلاً أول في فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين ومديراً تنفيذياً لمؤسسة هالة سلام مقصود للقيادة العربية الأمريكية بين الأعوام 2004 و2009. ومن عام 1998 حتى عام 2004، عمل إبيش مديراً للاتصالات في لجنة مكافحة التمييز الأمريكية العربية. وهو حائز على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ماساتشوستس في أمهرست.

يعد استطلاع رأي الشباب العربي الوسيلة الأفضل بلا منازع للوقوف على آراء شباب المنطقة بشأن القوى الإقليمية والدولية. وتلخص نتائج الاستطلاع لعام 2019 أبرز الرؤى الإقليمية حول الدول الأخرى، حيث يرى 93% من المشاركين في الاستطلاع في الإمارات حليفاً لبلدانهم، في حين ينظر 67% إلى إيران بصفتها دولة عدوة. وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بين القوى التي يعتبرها الشباب العربي عدواً لبلدانهم بنسبة 59%، فيما يعتبرها 41% حليفاً، مما يعكس استمراراً واضحاً لهذا التوجه خلال السنوات الأخيرة.

ولكن التصورات حول الولايات المتحدة تبدو معقدة، وربما غير متسقة تماماً، حيث ينظر 48% من المشاركين في الاستطلاع إلى الولايات المتحدة باعتبارها أكثر دولة أجنبية عززت نفوذها في العالم العربي، تليها تركيا بفارق كبير (23%).

ومع ذلك، فإن الحكمة التقليدية غالباً ما تقتضي النظر إلى واشنطن باعتبارها تقلص – ولا تزيد – تدخلها في العالم العربي. ولكن الأمر أعقد مما قد يبدو للوهلة الأولى.

إن رفض الولايات المتحدة الانخراط في الحرب السورية، وموقفها الحيادي نسبياً تجاه النزاعات في اليمن وليبيا، وشكاويها المتكررة بشأن “المستفيدين مجاناً” من خدماتها الدفاعية، ومطالب كل من باراك أوباما ودونالد ترامب بزيادة تقاسم الأعباء الدفاعية، جميعها عوامل تؤكد تراجع حضور الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبدو الشباب العربي مقتنعاً بأنها ليست فقط الدولة الأجنبية الأكثر تأثيراً في العالم العربي، وإنما تحظى بتأثير متنامٍ أيضاً. وقد تعكس ذلك التأثيرات الثقافية والتعليمية والاقتصادية التي ربما تزداد بالفعل، ناهيك عن دور الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى الوحيدة في مجتمع دولي– ومن ضمنه العالم العربي – يتحول بخطى متسارعة نحو العولمة.

وقد يوحي هذا الانطباع أيضاً بأن الشباب العربي لا يتفقون ببساطة مع تصورات العديد من النخب العربية، ويرون أن الولايات المتحدة – وبالرغم من مواقفها المتحفظة أحياناً- لا تزال اللاعب الأكثر فاعلية في المنطقة. ويرى البعض أن انسحاب الولايات المتحدة من العالم العربي هو مجرد وهم، حيث يصعب إثبات أي انسحاب في المجال التجاري أو التفاعل الثقافي أو الانتشار العسكري أو أي مقياس آخر.

وعليه، فإن الشباب العربي ربما يكونون أكثر دقة في مشاهدة “الصورة الكلية” من السياسيين والمفكرين الذين يركزون على جوانب محددة. ولكن الأمور ليست إيجابيةً بمجملها للولايات المتحدة.

فقد تراجعت مكانة الولايات المتحدة بصفتها “حليفاً قوياً” من 63% في عام 2016 إلى 46% و35% على التوالي والذي يشكل تراجعاً يقارب 50% خلال أول عامين من ولاية ترامب (2017 و 2018). ورغم تحسن مكانتها بشكل طفيف في عام 2019 لتصل إلى 41%، إلا أن هذه النسبة لا تزال أقلّ بكثيرٍ مما كانت عليه عام 2016 في عهد أوباما. وفي المقابل، واصلت روسيا تعزيز مكانتها مع تسجيل انخفاض طفيف من 69% في عام 2018 إلى 65% في عام 2019.

ويبدو المشهد مناقضاً في منطقة شرق المتوسط التي ينظر 45% من شبابها إلى روسيا باعتبارها حليفاً أقوى مقابل 29% فقط للولايات المتحدة. وبالنظر إلى العلاقات الأمريكية القوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، يبدو الأداء القوي لروسيا مثيراً للدهشة في تراجعه بفارق ضئيل فقط عن الأداء الأمريكي.

ولا عجب أن يمتلك الشباب العربي في شرق المتوسط، بمن فيهم اللبنانيون والفلسطينيون والعراقيون، نظرة أكثر تشدداً إزاء واشنطن. وهذا يبدو طبيعياً في ضوء بعض سياسات ترامب المجحفة بحقهم- بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وتأكيد السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية، وفرض حظر على سفر مواطني العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، فضلاً عن انتقاده الإسلام والمسلمين في بعض الأحيان – وبالتالي من غير المفاجئ أن تتداعى سمعة الولايات المتحدة في أغلب مناطق العالم العربي. ومن الجدير بالملاحظة أن التباين الأكثر إيجابيةً لصالح واشنطن مقارنة بموسكو يأتي من شمال إفريقيا كونها لم تتأثر إلى حد كبير بمعظم تلك السياسات، وحيث لا تتمتع روسيا بحضور مؤثر. كما تستفيد واشنطن من حملة عقوبات “الضغط الأقصى” ضد إيران لكسب تأييد الكثيرين من العرب.

ومما يبعث على الدهشة أن روسيا، وبالرغم من تحالفها القوي مع إيران وتدخلها في الحرب الأهلية السورية لصالح نظام الأسد، تتراجع بضع نقاط مئوية فقط في اعتبارها “حليفاً أقوى” برأي شباب منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. ويمكن القول إن روسيا، التي قلما تتمتع بحضور يذكر في دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء كونها مورداً بديلاً للأسلحة، تمثل للعديد من الشباب الخليجي فكرةً مجردة وليست مجموعة محددة من العلاقات والسياسات. ويوحي وضع روسيا القوي عموماً- وفيما يخص شعبيتها تحديداً في دول مجلس التعاون الخليجي- أن جاذبيتها تكمن أساساً في احتمال أن تصبح القوة العالمية البديلة للولايات المتحدة الأمريكية بصرف النظر عن حضور موسكو الضعيف نسبياً في الشرق الأوسط مقارنةً مع واشنطن، والتفاوت العالمي بينهما على صعيدي النفوذ والقدرات. قد تحظى روسيا بموقع قوي في عالم متعدد الأقطاب، وإن كان لا يزال غير واضح المعالم حتى الآن، بما يتخطى حدود السياسات والقدرات الفعلية للرئيس فلاديمير بوتين.

من ناحية أخرى، تبدو المكانة القوية التي تحتلها المملكة العربية السعودية، باعتبارها أكثر دولة عربية عززت نفوذها في العالم العربي خلال السنوات الخمس الماضية (37%)، مرتبطةً بجوانب تفصيلية محددة. حيث أدى الغياب النسبي لقيادة عربية في أعقاب أحداث الربيع العربي التي اندلعت في عام 2011، إلى إلقاء عبء القيادة الإقليمية على دول مجلس التعاون الخليجي، سواء رغبت بذلك أم لا. وبطريقة أو بأخرى، باتت مراكز القوة التقليدية - مثل القاهرة، وبغداد، ودمشق - عاجزة أو عازفةً عن أداء أدوارها القيادية التقليدية. فكانت الدول الخليجية وحدها تنعم بما يكفي من العلاقات والازدهار والاستقرار لتصبح المؤثر الإقليمي العربي. وقد أدى ذلك إلى حلول الإمارات في المرتبة الثانية (27%) بعد السعودية على قائمة الدول العربية الأكثر تأثيراً، بينما بالكاد حصلت مصر على 11% بعد ما كانت في صدارة القوى الإقليمية المؤثرة فيما مضى. وهذا يعكس ولا شك ظروف العالم العربي في الوقت الحاضر: فسواء كان ذلك سلبياً أم إيجابياً، ورثت دول الخليج – والسعودية في المرتبة الأولى- عباءة القيادة والتأثير؛ ولا عجب أن يعكس رأي الشباب العربي هذه الحقيقة التي لا لبس فيها.