آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

روسيا والولايات المتحدة: انقلاب الأدوار بين قوتين عظميين، ولكن مهلاً... دع الناس يحكمون

حسين إبيش

حسين إبيش

يشغل حسين إبيش منصب باحث مقيم أول في معهد دول الخليج العربية في واشنطن. وهو كاتب عمود أسبوعي في صحيفة “ذا ناشيونال” (الإمارات العربية المتحدة)، ومساهم منتظم في عدة منشورات أمريكية وشرق أوسطية أخرى. وله آلاف المساهمات عبر الراديو والتلفاز، وعمل مراسلاً صحفياً من واشنطن لدى صحيفة “ذا ديلي ستار” (بيروت). وكان إبيش سابقاً زميلاً أول في فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين ومديراً تنفيذياً لمؤسسة هالة سلام مقصود للقيادة العربية الأمريكية بين الأعوام 2004 و2009. وعمل إبيش مديراً للاتصالات في لجنة مكافحة التمييز الأمريكية العربية بين عامي 1998 و2004، وهو حائز على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ماساتشوستس في أمهرست.

عادت روسيا مجدداً لاعباً رئيساً في الشرق الأوسط مثيرةً بذلك ارتباك الولايات المتحدة الأمريكية – وقد رحب غالبية الشباب العربي بهذا التطور؛ إذ يكشف استطلاع رأي الشباب العربي 2018 خروج الولايات المتحدة من قائمة الحلفاء الخمسة الأوائل للمرة الأولى مستقرةً في المرتبة الحادية عشر، فيما تعتبر روسيا، التي حلت في المرتبة الرابعة، الحليف غير العربي الوحيد ضمن هذه القائمة. وكان هناك تراجع حاد في مكانة الولايات المتحدة بنظر الشباب العربي، حيث يعتبرها أغلبهم اليوم «عدواً» مع ارتفاع واضح لأسهم روسيا في المنطقة.

ولهذا التحول الدرامي – انقلاب الأدوار بين القوتين العظميين – سياق معقد تتطور مفاعيله باستمرار. فقد لعبت روسيا دوراً محورياً في الشرق الأوسط حتى الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 عندما بدأت الولايات المتحدة تبسط سيطرتها على الدبلوماسية الإقليمية وأرست تحالفاً جديداً مع مصر. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تلاشى دور روسيا عملياً في الشرق الأوسط.

وعندما بدأ الدور الإقليمي للولايات المتحدة يتراجع في المنطقة إبان حكم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، تدخلت موسكو – وتحديداً عبر تدخلها العسكري في عام 2015 إلى جانب إيران وحزب الله – لإنقاذ نظام بشار الأسد في سوريا. ومع نجاح الأسد في استعادة السيطرة على أغلب مناطق البلاد، سجلت روسيا أول تدخل دولي ناجح في العالم العربي منذ تحرير الكويت عام 1991. ومع أن الكثير من الشباب العرب لا يؤيدون الأسد، إلا أن روسيا رسخت انطباعاً قوياً بكونها حليفاً راسخاً وقوة حاسمة تدعم استقرار وسيادة الدول؛ وهذا نجاحٌ ما بعده نجاح.

غير أن روسيا استفادت بشكل رئيسي من اختلافاتها الواضحة مع الولايات المتحدة. وبالنسبة لأصدقاء وخصوم الأمريكيين على حد سواء، توفر عودة موسكو إلى الساحة الإقليمية مجموعة من الخيارات المفيدة. فحتى أقرب الحلفاء العرب للولايات المتحدة توجهوا نحو تطوير علاقاتهم مع روسيا كمصدر بديل للسلاح، وخير دليل على ذلك إبداء المملكة العربية السعودية اهتمامها باقتناء منظومة صواريخ S-400 المضادة للطائرات. وقد يكون الهدف من هذه الخطوة هو الضغط على واشنطن لتسليم نظام الدرع الصاروخية (THAAD) التي تريدها الرياض اليوم أكثر من أي وقت مضى لصد الصواريخ التي يطلقها الحوثيون من اليمن على المدن السعودية. وفي كلتا الحالتين، يبدو حضور روسيا كمصدر بديل للسلاح مفيداً بذاته ولتعزيز النفوذ في واشنطن بآن معاً.

وتستفيد روسيا كذلك من غيابها عن الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة. حيث أن العديد من التيارات، سواءً كانت وطنية أو عروبية أو حتى إسلامية، تلوم الولايات المتحدة – بحق أو دون وجه حق – على الكم الهائل من الويلات التي تعيشها المنطقة. في المقابل، تبدو صفحة روسيا بيضاء وغالباً ما يُنظر إليها في المنطقة بصورة إيجابية لأنها ببساطة ليست الولايات المتحدة. إن كسب التأييد عن طريق التباين هو أحد الأسباب الرئيسية - بالإضافة إلى النجاح الملموس – لعدم اتهام روسيا بالمسؤولية عن المجازر التي تحدث في سوريا رغم أنها تتحمل هذه المسؤولية بلا ريب. ويعود السبب في ذلك جزئياً إلى أن الناس يتوقعون منها الكثير، فواشنطن تلقي اللوم في كل ما تفعله وما لا تفعله لأسباب ليس أقلها الفشل في التوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني بعد احتكار واشنطن لعملية السلام وانحيازها الواضح لاسرائيل على مدى عقود. وفي المقابل، يتجاوز الناس عن مسؤولية روسيا في استمرار المأساة السورية وهذا كله يصب في مصلحة إيران بطبيعة الحال.

إن الولايات المتحدة لا تكابد فقط متاعب انخراطها في نزاعات الشرق الأوسط بعد إخفاقها في العراق، وإنما يبدو أيضاً أنها نسيت إمكانية تحقيق أهداف مركزة باستخدام وسائل محدودة، وهذا هو بالضبط ما تمكنت روسيا من إنجازه في سوريا منذ عام 2015 (وما أنجزته أيضاً الولايات المتحدة في الكويت عام 1991). وقد توقع أوباما استنزاف روسيا في حرب طويلة تكبدها الكثير من الخسائر جراء تدخلها في سوريا. هذا التصور السائد حول روسيا بأنها دولة حازمة وناجحة وبالتالي جديرة بالاحترام فيما تفتقر الولايات المتحدة في المقابل إلى الكفاءة والقدرة على الحسم تعمَّق إلى حد كبير، وخصوصاً بعد الضربات الجوية الأمريكية المحدودة ضد منشآت الأسلحة الكيميائية التابعة للنظام السوري في أبريل 2018. لقد بدا واضحاً أن واشنطن حرصت على تفادي ضرب أهداف روسية وإيرانية ومواقع حزب الله أو حتى المواقع الحساسة للنظام، واكتفت بدلاً من ذلك بالتركيز على مجموعة صغيرة من الأهداف المرتبطة بالأسلحة الكيميائية دون أي قيمة استراتيجية حقيقية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على فعالية قوة الردع الروسية، ويعني كذلك بأن روسيا حققت في سوريا نصراً حاسماً لم تشأ أو لم تتمكن واشنطن من اعتراضه تحت أي ظرف من الظروف.

إن التحول المدهش في آراء الشباب العرب لصالح روسيا وضد الولايات المتحدة يعزى في جانب منه أيضاً إلى شخصيات الحكام. حيث ينظر أغلب الناس، داخل الولايات المتحدة وخارجها، إلى دونالد ترامب على أنه شخص متهور وعنصري ومتنمر ولا يؤخذ على محمل الجد في أفكاره وتصرفاته؛ بينما يكرس فلاديمير بوتين في المقابل صورة القوة والعزيمة والثبات والصرامة والوقار– وهي صورة يبدو أنها تثير إعجاب ترامب نفسه. ويجسد بوتين صورة روسيا الناجحة والحازمة في مقابل صورة الولايات المتحدة المتهورة والمترددة وسيئة الحظ.

وساهم ترامب أيضاً في ترسيخ الانطباع الجائر بتفشي رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) في الولايات المتحدة، بينما لم يسبق لبوتين أن تعاطى مع المسألة بهذا الشكل. على العكس تماماً، حرصت روسيا على جعلها قضية مشتركة مع القوى العربية المناهضة للحركات الإسلامية مثل مصر والإمارات وفي ليبيا، وكانت حاضرةً أيضاً في مؤتمرات عدة تروج للإسلام «المعتدل» و»مكافحة الإرهاب».

ولكن الألق الحالي الذي تنعم به روسيا قد يتلاشى سريعاً، فعندما تعود روسيا مجدداً إلى الشرق الأوسط كقوة فاعلة بذاتها وليس كبديل مفاجئ ومرحّبٍ به لواشنطن، فعليها بالتأكيد أن تتحمل مسؤولية سلوكها وتحديداً تحالفها الوثيق مع إيران. وإن النجاح الساحق في سوريا، والذي تحقق عملياً ضمن فراغ نسبي، أوجد شعوراً مبالغاً فيه بالقوة العسكرية الروسية وحضورها في المنطقة. صحيح أن الدعاية الروسية، مثل قناة «روسيا اليوم»، أضحت مؤثرة وواسعة الانتشار؛ ولكنها غير قادرة على إنكار حقيقة مقتل مئات المرتزقة الروس على يد قلة من القوات الخاصة الأمريكية في شمال سوريا. فإذا تراجعت واشنطن عن خيارها الطوعي بالانسحاب من قيادتها للشرق الأوسط، عندها قد لا تبقى صورة روسيا جذابةً في العالم العربي لفترة طويلة.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.