آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

الشباب العربي يبحث عن مصادر مستقلة للأخبار تغطي الحدث من كافة جوانبه

إيان أكرمان

إيان أكرمان

إيان أكرمان هو كاتب وصحفي ومحرر يعيش متنقلاً بين دبي وبيروت، ويكتب لصالح مجلات عدة في الشرق الأوسط وأوروبا، وشغل سابقاً منصب مدير تحرير مجلة “كامبين الشرق الأوسط” لمدة 6 سنوات قبل أن يتجه إلى العمل المستقل في عام 2014. وتتمحور مقالات أكرمان بشكل رئيسي حول القطاعات الإبداعية في المنطقة مع التركيز بصورة خاصة على وسائل الإعلام والدعاية.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الآن أكثر شعبية لدى الشباب العربي من وسائل الإعلام التقليدية، حيث تخطت التلفاز لتصبح المصدر الأخباري الأوسع انتشاراً والأكثر مصداقية لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 - 24 عاماً في العالم العربي، وهذا يتناقض إلى حد بعيد عما كان عليه الأمر قبل بضع سنوات حين كان التلفزيون لا يزال مسيطراً على قطاع الأخبار.

وانحصرت ردود الفعل المباشرة إزاء هذا التوجه في مسارين متباينين؛ الأول يرى أن الثقة في وسائل التواصل الاجتماعي تبدو مفاجئة ضمن السياق الدولي في ضوء الانتقادات الأخيرة ضد شركات التكنولوجيا. والثاني، يعتبر أن هذه النتائج متوقعة كونها تنسجم عموماً مع التوجهات العالمية لهذه الفئة العمرية.

وبالنسبة للمنحى الأول، لا يزال رأي أصحابه مقنعاً إلى حد بعيد بأن شركات التكنولوجيا العملاقة أصبحت أكبر وأقوى؛ وهي لا تشوه فقط الأسواق والأنظمة السياسية، وإنما أيضاً ليست موضع ثقة. غير أن نتائج استطلاع رأي الشباب العربي لعام 2019 جاءت مناقضة لهذا الاعتقاد.

وفي سياق عالمي أوسع، تنسجم نتائج الاستطلاع مع التوجهات السائدة في أماكن أخرى من العالم. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع أجراه مؤخراً “مركز بيو للأبحاث” في الولايات المتحدة الأمريكية أن وسائل التواصل الاجتماعي تهيمن على مصادر الأخبار لدى الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 - 29 عاماً، حيث يستقي 36% أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي مقارنةً بـ 27% للمواقع الأخبارية الإلكترونية و16% للتلفزيون. وفي استطلاع آخر أجراه “معهد رويترز” العام الماضي وضم 74 ألف شخص من 37 سوقاً، قال 53% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 - 24 عاماً أنهم استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار خلال الأسبوع الماضي - وهي أعلى نسبة على الإطلاق عبر كافة الفئات العمرية والمصادر الأخبارية الأخرى.

وتشير هذه المعطيات جميعها إلى حدوث تحول ديموغرافي نحو منصات التواصل الاجتماعي والأجهزة المحمولة، لا سيما وأن التكنولوجيا أزالت العوائق التقليدية لنشر المعلومات وغيرت الطريقة التي يستهلك بها الناس المحتوى.

ولم يكن مستغرباً بطبيعة الحال أن يعرب 88% من المشاركين في استطلاع رأي الشباب العربي عن دعمهم لقرار الحكومة السعودية السماح للنساء بقيادة السيارة. وبطبيعة الحال، كشف التقرير أيضاً أن 17% من النساء السعوديات المشاركات في الاستطلاع عارضن هذه الخطوة. ومجرد أن ترفض أكثر من سدس الشابات السعوديات هذا القرار، فهذا يعكس توجهات أقلية متحفظة لا يمكن إغفالها بطبيعة الحال. وفي الوقت نفسه، يعارض هذا القرار أيضاً نحو ثلث الشبان السعوديين. وبالرغم من ذلك، فثمة التزام واسع النطاق بهذه المسألة التي بقيت موضع تجاذب وتأجيل لسنوات طويلة.

ولعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر المناطق التي يسير شبابها في هذا الاتجاه.

ومن المفترض ألا تكون هذه النتائج مفاجئة، خصوصاً وأن نسبة استخدام تويتر في المملكة العربية السعودية تجاوزت 66%، كما تستأثر دول مجلس التعاون الخليجي بالنسبة الأكبر من المستخدمين النشطين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد شهدت “تويتر”، منذ افتتاح مقرها الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في دبي عام 2015، نمواً متسارعاً في إيراداتها السنوية لتبلغ اليوم أعلى مستوياتها في المنطقة على الإطلاق.

من جانبها، تملك “سناب شات” أكثر من 12 مليون مستخدم نشط يومياً في دول مجلس التعاون الخليجي، منهم أكثر من 9 ملايين مستخدم في المملكة العربية السعودية وحدها (ارتفع من 7 ملايين في إبريل 2017)، وأكثر من مليون مستخدم نشط يومياً في دولة الإمارات. وعندما تم إطلاق عروض “سناب شات” في المنطقة العام الماضي، تضمنت 33 مسلسلاً من إنتاج ما يزيد على 20 شريكاً إعلامياً بمن في ذلك “إم بي سي” و”أبوظبي للإعلام” و”دبي للإعلام”.

ويلعب الفيديو دوراً كبيراً في هذا كله. وبالرغم من صعوبة الحصول على بيانات موثوقة في الشرق الأوسط، إلا أننا نعلم بأن محتوى الفيديو يولد غالبية عائدات “تويتر” الإعلانية في هذه المنطقة؛ الأمر الذي دفع شبكة الترفيه العربية UTurn، والتي تتخذ من جدة مقراً لها، إلى تشكيل فريق من الموظفين السعوديين لإنشاء محتوى فيديو مخصص لمنصة “سناب شات”. كما وضعت قناة MBC كاميرات رأسية في مواقع التصوير الخاصة بها لإنشاء محتوى لبرامجها يتم عرضه بشكل فوري على “سناب شات” و”إنستجرام”. وأظهرت إحصائية شائعة بأن السعودية تمتلك أعلى معدل مشاهدة فيديو للفرد على موقع يوتيوب في العالم. وباختصار، يتم توليد ملايين الدولارات من محتوى الفيديو في المنطقة، وهذا يعزز مكاسب شركات التواصل الاجتماعي أكثر من وسائل البث التقليدية أو الصحف.

وتفسر جميع هذه المعطيات إلى حد ما تفضيل الشباب العربي لوسائل التواصل الاجتماعي. ولا ننسى أيضاً أن وسائل الإعلام التقليدية غالباً ما تشوبها الرقابة الحكومية، وأن الناشرين كثيراً ما يواجهون بعض الصعوبات.

ولنأخذ الكويت على سبيل المثال، حيث اتفقت خمسة من كبريات الصحف في البلاد على رفض التغطية التحريرية للشركات التي لا تشتري الإعلانات - وهي خطوة لم تعزز مصداقية هذه الصحف، وإنما جعلت النشر خاضعاً للتسويق والمبيعات.

علاوةً على ما سبق، هناك أيضاً قضايا التحيز السياسي والقيود الرقابية وقمع الصحفيين، والتي تقود جميعها إلى حالة عامة من انعدام الثقة بوسائل الإعلام التقليدية في المنطقة ولا سيما بين الشباب.

وبالتالي، فإن جميع المؤشرات تدل على استمرار التحول نحو وسائل التواصل الاجتماعي رغم أن “معهد رويترز” أشار إلى تراجع استخدام هذه الوسائل لغرض الحصول على الأخبار في عدة أسواق رئيسية العام الماضي بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا، ويرجع ذلك حقيقةً إلى انحسار نشر الأخبار عبر “فيسبوك”. وهذا لا يسير بالضرورة في صالح الوسائط الأخرى، حيث تنتقل مشاركة الأخبار إلى تطبيقات المراسلة مثل “واتساب”، سعياً إلى مزيد من الخصوصية ولتجنب إزعاج المتصيدين عبر الإنترنت.

لقد بات جلياً اليوم أن شباب المنطقة يستهلكون المحتوى أكثر من أي وقت مضى؛ ويبدو أن الجيل القادم سيحظى بقدرات اتصال أكبر مما كنا نعتقد، وهذا يعني استهلاك كميات أكبر أيضاً من المحتوى عبر المنصات والأجهزة المختلفة. كما يدل ذلك على أن شباب اليوم ضاقوا ذرعاً بوسائل الإعلام التقليدية في المنطقة، ويسعون وراء مصادر مستقلة وروايات بديلة للأخبار.