آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

الشباب العربي يستحقون المستقبل الأفضل الذي يحلمون به

جهاد أزعور

جهاد أزعور

يتولى الدكتور جهاد أزعور منصب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، كما شغل سابقاً منصب وزير المالية في لبنان خلال الفترة من 2008-2005، حيث عمل حينها على تنسيق تنفيذ مبادرات مهمة للإصلاح على المستوى الوطني وداخل وزارة المالية. وتقلّد أزعور العديد من المناصب في القطاع الخاص، ومن أبرزها منصب نائب الرئيس والمستشار التنفيذي الأول في شركتي “ماكينزيآندكومباني” و”بوزآندكومباني” من 2013-2009. وقبل انضمامه إلى صندوق النقد الدولي، تولى أزعور منصب مدير شريك في “إنفنتيسبارتنرز” للاستشارات والاستثمار. ويحمل أزعور درجة الدكتوراه في العلوم المالية الدولية ودرجة علمية عليا في الاقتصاد الدولي والعلوم المالية، وكلاهما من معهد الدراسات السياسية في باريس.

بالنسبة لجيل الشباب العربي، فإن السنوات العشر التي بدأت بوعد التغيير شارفت على نهايتها ولا زال عشرات الملايين منهم يتوقون إلى السلام والازدهار ويحلمون بمستقبل أفضل، ذلك ما بينه آخر استطلاعات أصداء بي سي دبليو لرأي الشباب العربي، والذي قدم مرة جديدة لمحة هامة عن تطلعات إحدى أهم شرائح المجتمع العربي.

ويظهر هذا الاستطلاع أن الشباب العربي – وبرأيي عن وجه حق - يطالبون بحكوماتتكون مؤهلة وتتمتع بالمسؤولية والكفاءة وتوفر فرصاً للازدهار. وهم بحاجة لصيغة تفاهم جديدة توفر فيه الحكومات بيئة تدعم الشباب وتطلق العنان لإبداعهم وتحفزهم على تحقيق الازدهار لعقود قادمة.

ويسلط هذا الاستطلاع الضوء على عوامل الإحباط المتزايدة التي يتعرض لها الشباب العربي، والتي باتت متجذرة في مستقبلهم الاقتصادي الذي يغدو بدوره مبهماً أكثر فأكثر. فعلى سبيل المثال، يبدي الشباب العربي اهتماماً كبيراً بالقضايا الإقليمية ويرغبون في إنهاء الصراعات التي طال أمدها؛ وهي أكبر مصادر قلقهم وفقاً للاستطلاع. ومع ازدياد صعوبة تحقيق ذلك، تزداد حدة الضغوط التي يعيشونها. من جهة أخرى، تعتبر معدلات البطالة المرتفعة للسنة الخامسة على التوالي من أكثر الأمور المحبطة للشباب العربي.

ويمكن تفهّم خيبتهم هذه لا سيما مع ارتفاع نسب البطالة بشكل مقلق بين الشباب في المنطقة، حيث تتخطى هذه النسبة 30% في دول عدة، يضاف إلى ذلك توقعات بانضمام ما يقارب 2,8 مليون شاب وشابة سنوياً إلى القوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدار السنوات العشر القادمة، ما سيزيد من صعوبة هذا التحدي. ورغم الإصلاحات الجارية إلا أن نتائجها تستغرق وقتاً بطبيعة الحال، ما يستلزم تسريع وتيرة التطوير.

وهنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل سنمضي في طريق لم يمنحنا الفرص التي يحلم بها شبابنا، أم سنخط طريقاً جديداً نحو مستقبل أكثر عدالة وازدهاراً؟

وباتت اليوم حاجتنا إلى أساليب تنمية جديدة أكثر إلحاحاً مع تدني آخر توقعات النمو للمنطقة إلى 1,3% فقط في عام 2019، حيث لم يعد النموذج القائم على وصاية الدولة والاعتماد على القطاع العام بوصفه الملاذ الأول للتوظيف قادراً على توفير فرص عمل كافية وملاءمة لشباب المنطقة ممن يتمتعون بتعليم جيد وخبرة تكنولوجية واسعة. ومن هنا فإن التعليم والخدمات العامة بمخرجاتهما الحالية لا يقدمان للشباب التأهيل اللازم لمواكبة التطور التكنولوجي السريع. ومن ناحية أخرى، تواصل الدولة تقديم الدعم الحكومي للطاقة الذي يؤثر سلباً على الاقتصاد ويفيد الأثرياء في المقام الأول في ظل عجز منظومة التنمية المجتمعية عن تأمين الحماية اللازمة للشرائح الأكثر فقراً وضعفاً في المنطقة. علاوةً على ذلك، فإن هذا النظام قد أرهق العديد من البلدان بعجز كبير، وتسبب بتقليص الإنفاق الاجتماعي والاستثماري وإثقال كاهل الأجيال المقبلة بديون لا يمكن احتمالها. وفي ضوء هذا كله يجب علينا أن ندرك جيداً أنه لا توجد حكومة في العالم قادرة على توفير كل ما يحتاجه مواطنيها. ومن غير المنطقي توقع ذلك؛ فالموارد شحيحة. وهنالك مساعي حالية لاعتماد نهج الإنفاق بطريقة مستدامة بما فيه فائدة الجميع بدل الإنفاق المسرف.

لكن هناك طريقة أفضل لمعالجة هذه المشكلة، فبينما تعجز الحكومات عن تأمين فرص عمل كافية وملاءمة، يمكنها أن تلعب دوراً حيوياً في تطوير بيئة مواتية للقطاعات الخاصة الحيوية، ورفع سوية المعيشة وتوفير الفرص. كما أن شباب المنطقة يتمتعون بالموهبة ومستعدون لاغتنام هذه الفرص. فمثلاً، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة بمقدار 7 أضعاف في الشركات الناشئة ضمن قطاع التكنولوجيا المالية خلال العقد الماضي.

ما نحتاجه اليوم هو عقد اجتماعي جديد بين حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومواطنيها، يركز على قيم المساءلة والشفافية مع الحرص على عدم تخلف أحد عن ركب الحضارة. وهو عقد اجتماعي يؤسس نظاماً اقتصادياً يوفر فرص تنافسية متكافئة لجميع الشركات، ويدعم تطور التكنولوجيا والتجارة الإقليمية، كما يضمن تزويد المواطنين بخدمات أفضل وأقل تكلفة من خلال تسخير التكنولوجيا. علاوةً على ذلك، يلغي هذا العقد الدعم الحكومي لمصادر الطاقة ويوجه الاستثمارات نحو برامج دعم البنية التحتية التي من شأنها حفز النمو وتوفير فرص العمل. كما سيضمن العقد الجديد توافر شبكات أمان مخصصة لدعم وتمكين الشرائح الضعيفة، والأهم من ذلك سيتيح المزيد من الفرص للجميع عبر توفير خدمات تعليمية وصحية عالية الجودة.

ما نحتاجه اليوم هو عقد اجتماعي جديد بين حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومواطنيها، يركز على قيم المساءلة والشفافية مع الحرص على عدم تخلف أحد عن ركب الحضارة. وهو عقد اجتماعي يؤسس نظاماً اقتصادياً يوفر فرص تنافسية متكافئة لجميع الشركات، ويدعم تطور التكنولوجيا والتجارة الإقليمية، كما يضمن تزويد المواطنين بخدمات أفضل وأقل تكلفة من خلال تسخير التكنولوجيا. علاوةً على ذلك، يلغي هذا العقد الدعم الحكومي لمصادر الطاقة ويوجه الاستثمارات نحو برامج دعم البنية التحتية التي من شأنها حفز النمو وتوفير فرص العمل. كما سيضمن العقد الجديد توافر شبكات أمان مخصصة لدعم وتمكين الشرائح الضعيفة، والأهم من ذلك سيتيح المزيد من الفرص للجميع عبر توفير خدمات تعليمية وصحية عالية الجودة.

ويمكن لهذه الرؤية الجديدة للحكومة تحقيق نتائج إيجابية من خلال زيادة فرص تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل 96% من شركات المنطقة وتوظف ملايين الأشخاص، لكنها لا تتلقى سوى 7% من التمويل المصرفي؛ وهي نسبة بعيدة جداً عن 13% التي تتلقاها هذه الشركات في أوروبا و17% في آسيا. ويركز بحث جديد لصندوق النقد الدولي على أن تعزيز السياسات التي تسهّل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، يمكن أن يسهم في تعزيز نموها الاقتصادي بنسبة تصل إلى 1% سنوياً وتوفير ما يصل إلى 8 ملايين وظيفة جديدة بحلول عام 2025.

ويتطلب حصول المشاريع الصغيرة والمتوسطة على التمويل اللازم وجود منهجية شاملة، بالإضافة إلى بناء اقتصادات مستقرة ذات نمو قوي وتضخم منخفض، وإرساء قواعد واضحة تتمثل بوجود نظام تكون فيه حقوق الملكية محمية وأن تكون أطر المعلومات الائتمانية والملاءة المالية شفافة وسهلة الفهم. ومن خلال حلّ هذا التحدي بشكل كلي، يمكن للدول أن تحدد شروط التمويل المستدام للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وفي الختام، لن يكون تنفيذ هذا العقد الاجتماعي الجديد ممكناً إن لم تتم مكافحة الفساد في المنطقة، والذي كان سبباً رئيسياً في هدم الثقة بين الحكومات ومواطنيها.

وقد قام صندوق النقد الدولي بتطوير إطار عمل جديد يبحث في ثغرات الحوكمة بشكل ممنهج وعلى نطاق أوسع. ومن أبرز ما توصل إليه هو أن التعقيد يعزز الفساد، في حين أن الميزانيات الشفافة والقواعد والأنظمة المبسطة يمكن أن تحد منه وتساعد في تحقيق نمو أفضل وأكثر شمولاً.

إن تجسيد هذه الرؤية الاقتصادية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أرض الواقع يتطلب من الحكومات أن تلعب دوراً رئيسياً جديداً يختلف عما رأيناه في الماضي. ولقد تم إحراز بعض التقدم في هذا المجال بالفعل، ولكن أظهر آخر استطلاع لرأي الشباب العربي أن أمامنا طريقاً طويلاً لتحقيق هذا المسعى. وعلى الرغم من خيباتهم المنطقية، لا يزال الشباب العربي متمسكون بأمل بناء مستقبل أفضل، وقد شاركونا تطلعاتهم ومخاوفهم، وحان الوقت لكي نصغي لهم ونتحرك من أجلهم.