آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

“دمقرطة” المعلومات - سلبيات وإيجابيات تحول المشهد الإعلامي

خالد المعينا

خالد المعينا

خالد المعينا هو محلل سياسي وإعلامي وشريك إداري في شركة “كوارتز كوميونيكيشن”، وشغل العديد من المناصب في قطاع الإعلام السعودي على مدى 30 عاماً بما في ذلك منصب الرئيس التنفيذي لشركة علاقات عامة، وعمل مذيعاً في الإذاعة والتلفزيون السعودي، ومقدماً لبرنامج حواري، وصحفياً. وعمل المعينا أيضاً رئيساً لتحرير صحيفة “عرب نيوز”، أوسع الصحف الإنجليزية انتشاراً في الشرق الأوسط، حيث قاد فريقها خلال أزمة الخليج وكانت الصحيفة السعودية الوحيدة التي أوفدت مراسلاً صحفياً إلى ميدان التحرير إبان الربيع العربي. وهو باحث زائر في جامعة سنترال فلوريدا.

ألفريد هارمسورث (اللورد نورثكليف)، الذي وصفه اللورد بيفربروك بأنه «أعظم شخص وطأ يوماً شارع فليت (الذي كان معقلاً للصحافة البريطانية)»، قال ذات يوم بأن «الأخبار هي ما يريد أحدهم في مكان ما أن يخفيه، وما تبقى هو مجرد دعاية».

والمشكلة على أي حال هي كيف لنا أن نميز بين الدعاية (أو البروباجاندا) والأخبار الحقيقية؛ وهل لها قيمة؟ هذه الأسئلة لا تزال مشروعةً اليوم كما الأمس، والفرق هو أنه في الماضي قلةٌ فقط طرحوا هذا السؤال وكان عدد المصادر الإخبارية قليلاً بالمقارنة مع ما هو متاح اليوم عبر الإنترنت.

إن تنوع المصادر الإخبارية اليوم يتراوح بين آراء مدون يقبع في غرفة مظلمة بريف أركنساس وصولاً إلى أبرز المحققين الصحفيين ذائعي الصيت – فقد أتاحت ديمقراطية الإنترنت لكليهما فرصة متكافئة للتعبير عن آرائهما.

لطالما كنت مدمناً على الأخبار منذ صباي، وكان إدماناً بريئاً في أزمنة أقل تعقيداً بكثير مما نعيشه اليوم. وقد اعتدت متابعة الأخبار بنهمٍ، وكنت أنتظر بفارغ الصبر لآخذ لمحة خاطفة على الصحيفة قبل أن يغوص جدي بين أوراقها مع كأس الشاي الصباحي. لقد أصبحت الأخبار والإعلام جزءاً من شخصيتي منذ سن السابعة، وكان هذا الإدمان المبكر راسخاً لدي بدءاً من الصحف والإذاعة وصولاً إلى التلفاز الذي أصبح فيما بعد جزءاً أساسياً من منازلنا. وعندما طُلب مني أن أقود صحيفة «عرب نيوز» في جدة عام 1982، ومع أني لم أكن قد عملت أبداً في صحيفة من قبل، إلا أنني قبلت التحدي وعشت هذه التجربة لعشر سنوات.

وعند التفكير في الإعلام من زوايا مختلفة، تصيبني الدهشة من سرعة التغيير الذي شهدها هذا القطاع خلال السنوات القليلة الماضية.

إن الغزو العراقي للكويت والحضور المؤثر لاحقاً لقناة «سي إن إن» ومن بعدها «إم بي سي» أضاف بُعداً جديداً إلى عملية جمع ومشاهدة الأخبار؛ حيث استطاع جمهور العامة للمرة الأولى أن يشاهد العمليات الحربية والفظائع المرتكبة مباشرةً على الهواء. ولم يؤثر ذلك كثيراً على الإعلام المطبوع حينها، وإنما بقيت الصحف والمجلات جزءاً من جسد إعلامي أوسع تتكامل مكوناته مع بعضها البعض.

وجاءت الثورة الرقمية لتغير كل شيء، وانتهى عصر التلكس والفاكس مع تطور تكنولوجيا الألياف الضوئية. كان الأمر أشبه بقاموس جديد أصبحت فيه «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستجرام» وغيرها من مفردات حياتنا اليومية. وولد معها ما يسمى «صحافة المواطن» التي خطت خطواتها الأولى في عالم جديد يتصف بالشجاعة.

لم تعد أجهزة الرقابة قادرة على كبح جماح المعلومات؛ فإذا لم تستطع طباعتها، ما عليك سوى تغريدها على «تويتر». وبات بإمكان الكثير من الكتّاب العرب اليوم التغريد ونشر ما يريدونه على «فيسبوك» مع ملاحظة تقول بأن المحرر حجب المحتوى. وغنيٌ عن القول أن سوء السمعة أو الرقابة هي وسيلة دعاية مدهشة تدفع الناس إلى القراءة أكثر بدافع فضولهم.

هكذا تغير الإعلام على نحو لا رجعة فيه بسبب «دمقرطة» المعلومات بصرف النظر عن صحتها. إذ يستطيع أي شخص على اتصال بشبكة الإنترنت أن ينشر المعلومات والصور التي يريدها، والمشكلة أنه بات من الصعب للغاية معرفة الحقيقة.

وكشف «استطلاع أصداء بيرسون – مارستيلر العاشر لرأي الشباب العربي» أن الشباب العرب يعتبرون قناة «سي إن إن» المصدر الإخباري الأكثر مصداقية و«الجزيرة» أكثرها تضليلاً. وبيّن الاستطلاع أيضاً وجود تحول كبير نحو وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار. علاوةً على ذلك، يقول الشباب العربي أنهم يحصلون على الأخبار اليومية من وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من القنوات التلفزيونية، وهذا تحول كبير منذ استطلاع عام 2015.

وإمعاناً في هذا التحول، يقول 49% من الشباب العربي أنهم يحصلون على الأخبار اليومية تحديداً من «فيسبوك». وفي ضوء الفضيحة الأخيرة المتعلقة بـ «فيسبوك» وشركة «كامبريدج أناليتيكا» – والتي تكشفت أخبارها بعد انتهاء العمل الميداني للاستطلاع – على المرء أن يتحرى صدق أي معلومة يتلقاها عبر هذه المنصة ويتساءل ما هو هدف «فيسبوك» الحقيقي في الحياة؟ الأمر لا يتعلق بنشر الأخبار، فهل هو إذاً السيطرة الاجتماعية؟

أصبح التغريد أيضاً إن لم يكن «رياضة الملوك» فهو بالتأكيد هواية رؤساء الدول؛ فهم يستخدمون التطبيق لإيضاح آرائهم ويقدمون أحياناً معلومات تنشر للمرة الأولى على الملأ متجاوزين قنواتهم الإعلامية الرسمية. ونرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان والعديد من الحكام العرب أيضاً يستخدمون «تويتر» لنشر آرائهم بطريقة سريعة. والجانب السلبي لذلك كله هو الافتقار تماماً إلى المصداقية والمساءلة؛ فالمصادر الإخبارية التقليدية محكومة بقواعد ممارسة يتم خرقها أحياناً على نحو لا يمكن إنكاره، غير أنك لا تستطيع مثلاً طرد صحفي لعدم الدقة بشأن تغريدة على «تويتر».

هذا الانفتاح الواسع على عالم الإنترنت مهد لظهور «بعبع» إعلامي جديد هو الأخبار المضللة؛ حيث يمكن لعبارة أو صورة مفبركة أو تغريدة صادمة أن تتسبب بضجة كبيرة وينساق الكثير من الشباب في تداولها لكسب المتابعين، وحينها يتعذر عملياً إصلاح الضرر الذي تسببت به.

خلال بضع سنوات فقط، انتقلنا من إعلام الصحف الخاضعة للكثير من التدقيق والتحرير إلى المدونات المحشوة بالكثير من الآراء، إلى التغريد حيث يمكنك قول أي شيء ويتكرر بالتداول إلى ما لا نهاية. وبذلك تنطبق اليوم المقولة الشهيرة لجوزيف جوبلز في ثلاثينيات القرن الماضي «إذا كذبت كذبة كبيرة وظللت ترددها فإن الناس في النهاية سيصدقونها». كان الأمر في تلك الأيام يستغرق شهوراً أو سنوات، ولكنه اليوم لا يتعدى الدقائق بفضل سرعة الإنترنت.

وما يدعو للأسف حقيقةً هو أن المغردين العرب، وعلى اختلاف أعمارهم، ينشرون الفرقة والكراهية والحقد بين الناس حتى لو لم يتعمدوا ذلك صراحةً. وهناك بالفعل الكثير من الشباب الذين انخرطوا إلى حد كبير بنشر الأخبار المضللة. ومع استخدام «انستجرام» اليوم على نطاق واسع وإسقاطه العديد من المحرمات، انساق معه الكثير من الشبان والشابات في عرض أنفسهم على الملأ وكسبوا بذلك آلاف المتابعين.

ولا تخلو هذه الرحلة مع الذات من بعض الجوانب الإيجابية: لقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار مكوناتنا الثقافية من موضة ومأكولات ومغامرات ورياضات. ولكن ثمة سلالة جديدة من «المؤثرين الإعلاميين» في منطقة الخليج بدأت بتحقيق إيرادات جعلتهم مستقلين مادياً؛ وهذا يضر بالوسائل الإعلامية السائدة، وقد لمست تداعيات ذلك على أرض الواقع من حيث انخفاص عدد النسخ والاشتراكات والإعلانات.

لقد انفجرت الفقاعة الرقمية الآن وأصابتنا جميعاً. وبأي حال، فإن غالبية الشباب العربي ناضجون ويميلون إلى استخدام هذه الأدوات الجديدة في تحسين المجتمع. وهم يسعون أيضاً إلى توظيفها وسيلةً لنشر التقدم والإرادة الطيبة.

إن الشباب على ما عهدناهم دائماً يريدون إيصال أصواتهم، وهم يحظون اليوم بمنصات جاهزة وعالمية الانتشار للتعبير عن أنفسهم. وقد أظهروا من خلال هذه الوسائل الإعلامية الجديدة نضجاً تفوقوا به على الكثيرين من قادة الوسائل الإعلامية التقليدية.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.