آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

فشل الأنظمة التعليميةيهدد مستقبل الشباب العربي

كيم غطاس

كيم غطاس

كيم غطاس هي باحثة غير مقيمة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، عملت مراسلةً لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) لفترة طويلة غطت خلالها شؤون الشرق الأوسط ووزارة الخارجية الأمريكية والانتخابات الأمريكية، وهي مؤلفة الكتاب الشهير “الوزيرة: رحلة مع هيلاري كلينتون من بيروت إلى قلب القوة الأمريكية”. وتعكف غطاس حالياً على إعداد كتابها الثاني حول التداعيات الإقليمية للتنافس السعودي الإيراني منذ عام 1979، ومن المتوقع أن يصدر الكتاب في شتاء 2020.

لا عجب أن تكشف إحدى نتائج هذا الاستطلاع عن خيبة أمل الشباب العربي من التعليم الذي يتلقونه في ضوء الإهمال والتغييب الحاصل لطاقاتهم الكامنة. فعندما يقول ثلاثة من أصل كل أربعة شباب عرب أنهم غير راضين عن التعليم في بلدانهم، فهم يعبرون في الواقع عن مخاوفهم بشأن الحصول على فرص العمل. ولا ننسى أن البطالة كانت على رأس مخاوف الشباب العربي في استطلاع عام 2017 متقدمةً على الإرهاب والتطرف.

وعلت على مر السنوات الكثير من الأصوات التي حذرت من عجز التعليم في الشرق الأوسط، سواء في المدارس أو الجامعات، عن مواكبة متطلبات سوق العمل. وقبل موجة السخط التي اجتاحت المنطقة العربية، دقّ خبراء الاقتصاد والتعليم والمؤسسات الدولية والمنظمات المحلية غير الحكومية ناقوس الخطر بشأن تزايد أعداد الشباب والارتفاع السريع لمستويات البطالة بينهم: حيث يشكل الشباب دون سن الثلاثين عاماً 65% من سكان المنطقة، وتشير أغلب الدراسات إلى أن المعدل الوسطي للبطالة بينهم 25% ويواصل ارتفاعه، وهذا ضعف معدل البطالة العالمي. وقد حذر صندوق النقد الدولي مجدداً من استفحال المشكلة بما قد يفضي إلى موجة أخرى من انعدام الاستقرار.

ومع ذلك، قلما تم اتخاذ أي إجراءات تذكر لمعالجة المشاكل الهيكلية في النظام التعليمي وسوق العمل. وعدا عن بعض الاستثناءات المهمة، لا تزال معظم الحكومات العربية تنفق أموالاً طائلة على قطاعات أخرى مثل الدفاع، ولم يحظ التعليم بالاهتمام الكافي. وتراكمت المشكلات في جميع أنحاء المنطقة: الافتقار إلى برامج تأهيل المعلمين، والاعتماد على التعلم بطريقة الحفظ الصم في المدارس، والتكريس المفرط للأفكار القومية أو الدينية في بعض البلدان، والافتقار إلى التفكير النقدي في التعليم، جميعها عوامل قوّضت قدرة الشباب العربي على اكتساب مهارات الحياة الضرورية للنجاح في أسواق العمل التنافسية.

ولا يزال المجتمع يلقي ضغوطاً جمّة على الشباب للحصول على شهادة جامعية بأي ثمن مع أنها قليلاً ما تثمر للأسف عن مهارات حقيقية في سوق العمل. وفي مصر على سبيل المثال، يعد خريجو الجامعات أكثر عرضة للبطالة بمعدل الضعف مقارنة مع شخص حائز على شهادة ابتدائية فقط. ولا تزال الشهادات التقليدية مثل الهندسة أو الطب تلاقي إقبالاً مفرطاً من الطلاب على الرغم من إشباع سوق العمل بهذه المهن. كما أفضى السعي للحصول على وظيفة مدى الحياة في القطاع العام إلى تقويض عملية إصلاح التعليم وانحسار دور القطاع الخاص على مدى عقود من الزمن. وتفاقم الأمر منذ فترة طويلة سواءً في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية مثل مصر، بما تعانيه من بيروقراطية مستفحلة، أو حتى في البلدان الأصغر مثل لبنان والأردن – ومجدداً لم يتم اتخاذ أي إجراءات تذكر لمعالجة الأمر.

ولا بد من تخطيطٍ أفضل، يشمل التعاون مع القطاع الخاص، لمواءمة البنية التحتية التعليمية مع متطلبات سوق العمل بما في ذلك التدريب المهني، وإعادة التدريب، وتشجيع ريادة الأعمال والخدمات مثل الإرشاد الوظيفي ومعارض الوظائف.

ويستمر تنامي عدد الوظائف الحكومية أو المرتبطة بالحكومة في دول مجلس التعاون الخليجي، ما قد يفسر التباين في إجابات الشباب الخليجي: ففي حين أبدى 70% قلقهم إزاء جودة التعليم في بلدانهم، أعرب 20% منهم فقط عن قلقهم حيال قدرة التعليم على إعدادهم لوظائف المستقبل. ومع أن الأمن الوظيفي لا يشكل مصدر قلق كبير في البلدان الغنية ذات الكثافة السكانية المنخفضة مثل قطر أو الإمارات، إلا أن مثل هذه الدول الريعية عليها أن تقرّ بأن نموذجها الناجح والمتقادم هذا لا يمكن أن يشكل خارطة طريقٍ للمستقبل، لا بالنسبة لها كدول ولا لمواطنيها.

ما يدعو للأسف العميق في نتائج الاستطلاع هو أن أكثر من نصف الشباب العربي يفضلون متابعة تعليمهم الجامعي في الغرب، وهذا أمر محسوم لأولئك الذين يمتلكون القدرة المالية على ذلك. وأغلب هؤلاء سيحصلون على شهادات عالية ووظائف مجزية في البلدان التي أقاموا فيها. أما لو عادوا إلى بلدانهم بشهاداتهم العالية نفسها، فستخيب طموحاتهم وتذهب جهودهم لإيجاد فرص العمل المناسبة أدراج الرياح. حتى في دول الخليج حيث افتتحت العديد من الجامعات الغربية فروعاً لها، أبدى 38% من شبابها المشاركين في الاستطلاع رغبتهم بمتابعة الدراسة في الخارج. والمؤكد في الأمر أن تضييق الحريات الأكاديمية يساهم في تعزيز هذا التوجه.

عندما يحلم شباب المنطقة بالدراسة في جامعات الغرب، فهم ينشدون بذلك مزيداً من الانفـتاح، ومساحة أكبر للتعبير عن أنفسهـم، ومستوى أعلى من الإبداع والاندمـاج؛ حيث أن قلة فقط من جامعات المنطقة توفر مثل هذه القيم التقدمية الاستشرافية، ولا شك أن المنطقة بحاجة إلى مزيد من هذه المؤسسات الأكاديمية لإلهام شبابها وإعداد قادة المستقبل.

لن يكون هناك أي مبرر لهجرة العقول الشابة فيما لو حظي العالم العربي بمستقبل أفضل وأكثر شمولية لا يُنظر فيه إلى الشباب باعتبارهم مصدر تهديد لاستقرار الحكومات والأنظمة، وإنما كطاقات كامنة يمكن استثمارها في نهضة بلدانها. كما أن الفجوة المستمرة بين قطاع التعليم وسوق العمل ستبقى بلا شك مصدراً لعدم الاستقرار، والحل بالتأكيد ليس في هدر الأموال على بناء منشآت أكاديمية فخمة.

ولمواجهة تحديات الغد ومواكبة طموحات واحتياجات شبابها، لا بد لدول الشرق الأوسط من إصلاح مناهجها التعليمية، والارتقاء بمستوى الشهادات التي تمنحها، وتبني نهج تعليمي متعدد التخصصات في مدارسها وجامعاتها، وتوجيه الطلاب نحو المهارات والشهادات المرغوبة في سوق العمل دائمة التغير – بدءاً من خبراء الزراعة المستدامة وصولاً إلى متخصصي الذكاء الاصطناعي؛ فهذا بالتأكيد أشد ما تحتاج إليه المنطقة اليوم.