آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

تحدي الثورة الرقمية - فرصة رواد الأعمال الشباب لبناء مستقبل مشرق

ميسم علي

ميسم علي

تعمل ميسم علي مديراً مساعداً لمبادرة «ستيفنز»، وهي شراكة دولية بين القطاعين العام والخاص تهدف إلى تعزيز التواصل بين الشباب في الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال برامج تعليمية عبر الإنترنت. وشغلت ميسم سابقاً منصب نائب مدير برامج الشرق الأوسط ورئيسة برنامج «شركاء من أجل انطلاقة جديدة»، وهو مبادرة اقتصادية تنموية تهدف إلى تعزيز ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وقد ساهمت بإطلاق مجالس تمثيلية له تضم قادةً من القطاعين التجاري والمدني في الأردن ومصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب، وأطلقت أيضاً شراكات مع العديد من الشركات ومؤسسات تمويل المشاريع الناشئة في الولايات المتحدة لدعم منظومة ريادة الأعمال في المنطقة.

غالباً ما يشجع أصحاب رؤوس الأموال في وادي السيليكون رواد الأعمال الشباب الطموحين على التفكير بحل «المشاكل الكبيرة» بدلاً من تصور «أفكار كبيرة». وفي هذا السياق، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – التي ابتليت بعقود من عدم الاستقرار وسوء الإدارة والركود - حافلةً بالفرص المجزية لرواد الأعمال العرب المبادرين والمبتكرين. ويكشف استطلاع أصداء بيرسون – مرستيلر السنوي العاشر لرأي الشباب العربي أن 10% من الشباب العرب يعتقدون بأن الثورة الرقمية كانت التطور الأكثر تأثيراً في العالم العربي خلال السنوات العشر الماضية – بعد «داعش» والربيع العربي – وهذا الرقم مؤهل للارتفاع بشكل كبير خلال العقد القادم مع نضوج مقومات التحول الأربعة في العالم العربي والمتمثلة في التعليم، والوظائف، والترفيه، والمشاريع.

ويبدو الطلاب وأولياء الأمور العرب على حد سواء مدركين لعجز الأنظمة التعليمية الوطنية في بلدانهم عن إعداد الطلاب بشكل كافٍ لمرحلة التعليم الجامعي والانخراط في سوق عمل تنافسية تسودها العولمة. وقد اضطلعت العديد من المشاريع الناشئة الإقليمية بمعالجة الطلب المتنامي على استكمال التعليم المحلي. حيث قام مثلاً رواد أعمال مصريون في عام 2012 بإطلاق منصة إلكترونية تحت اسم «نفهم» بهدف توفير فيديوهات تعليمية مجانية - مشابهة لما تقدمه «أكاديمية خان» – لشرح المناهج الوطنية من الابتدائية وحتى الثانوية العامة. وقد اتسع نطاق عمل هذه المنصة لاحقاً لتشمل المناهج التعليمية في الكويت والجزائر والسعودية وسوريا.

وعلى صعيد التعليم العالي، تتعاون «إدراك» - وهي منصة ضخمة للمساقات التعليمية المفتوحة عبر الإنترنت (MOOC) مشابهة لمنصة «كورسيرا» – مع الجامعات الرائدة في المنطقة، بما فيها الجامعتين الأمريكيتين في بيروت والقاهرة، لتوفير مساقات تعليمية شائعة مجاناً عبر الإنترنت.

ونظراً لأن الحكومات العربية لم تقر حتى الآن المصادقة على البرامج التعليمية عبر الإنترنت، وأيضاً لم تستطع منصات هذه البرامج أن تكون جذابةً بما يكفي للمتعلمين، لذا فإن هذه المشاريع الناشئة لا تزال تواجه الكثير من العقبات الرئيسية.

وقد ساهمت الأنظمة التعليمية ضعيفة الكفاءة في ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب العرب إلى 25%، وهي الأعلى في العالم بحسب منظمة العمل الدولية. وساعدت شركات عربية مثل «أخطبوط» و«نبّش» – وهي مشابهة لموقعي «لينكد إن» و«أب وورك» – مئات الآلاف من الأشخاص على إيجاد وظائف والعمل لحسابهم الخاص. وتساعد العديد من المشاريع الناشئة المبتكرة التي ظهرت مؤخراً على تعليم المهارات التكنولوجية، ومنها منصة Repl.it التي توفر دروساً لتعلم البرمجة عبر الإنترنت. كما طورت شركة «راب أب» (Wrappup) في دبي، والتي استحوذت عليها مؤخراً شركة «فويسيرا» في وادي السليكون، تطبيقاً ذكياً لتلخيص اجتماعات العمل باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ومع أن هذه المشاريع الناشئة أثبتت قدرتها على خلق وظائف رقمية جديدة في العالم العربي، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل لخفض مستويات البطالة في المنطقة.

وقد يكون قطاع الترفيه العربي، بالإضافة إلى الإعلام، الأكثر تحولاً بفعل الثورة الرقمية. ومن الأمثلة المتميزة في هذا السياق شركة «خرابيش»، وهي إحدى أولى المنصات المختصة بتطوير المحتوى الإبداعي العربي، وتسجل نحو 165 مليون مشاهدة شهرياً. ومع ارتفاع نسبة انتشار الهواتف الذكية، تمكن شباب الألفية العرب من تطوير محتويات مرئية أصلية عن حياتهم قلما يمكن إيجادها على وسائل الإعلام التقليدية المحافظة. وقد تمكنت شابات عربيات من المساعدة على حفز هذا التحول الرقمي ومنهن هيلا غزال، وهي شابة سورية من حلب حصدت فيديوهاتها الكوميدية عن حياة الأسرة العربية أكثر من 5 ملايين مشاهدة؛ وكذلك علا ملص، وهي شابة سورية تعيش في واشنطن أطلقت مؤخراً سلسلة مقاطع ساخرة تتناول فيها المحرمات الاجتماعية في العالم العربي.

وفي المملكة العربية السعودية – التي تمتاز بأعلى نسبة استهلاك للفرد الواحد لوسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة «يوتيوب» – استطاع العديد من الشباب الذين يصورون مقاطع ترفيهية من منازلهم كسب ملايين المتابعين. وإمعاناً منها في استثمار هذا التوجه، افتتحت شركة «يوتيوب» استوديو خاص في دبي لمنح مدوني الفيديو الأدوات والتدريب ومساحة التصوير اللازمة لتطوير المحتوى. والخطوة التالية هي للمحتوى الصوتي: حيث بدأ الصحفيون من مختلف أنحاء المنطقة بتجريب مدونات صوتية عربية، ويتوقعون أن تتسع قاعدة المستمعين خلال السنوات القادمة.

وفي منطقة تشتهر بتجارها وأسواقها التجارية عالمية المستوى، بدأت الثورة الرقمية – على نحو بطيء ولكن ثابت – بتحويل مشهد المشاريع العربية. حيث يميل شباب الألفية بشكل متزايد إلى استخدام هواتفهم الذكية لطلب وجبات الطعام وخدمات النقل عبر تطبيقات مثل «كريم». ومع ذلك، يقول 53% فقط من الشباب العربي – وغالبيتهم في منطقة الخليج أكثر من شرق المتوسط وشمال أفريقيا – أنهم يتسوقون عبر الإنترنت ويعود ذلك لمزيج من الأسباب من بينها تكاليف الشحن المرتفعة، والأنظمة الجمركية المرهقة، والقوانين القديمة للدفع عبر الإنترنت، وخيارات الدفع المحدودة. ونظراً لوجود نسبة ضئيلة فقط من الشركات العربية التي تمتلك حضوراً على الإنترنت، لذا فإن غالبية المشتريات المسجلة عبر الإنترنت تذهب إلى الشركات الإقليمية العملاقة مثل «سوق.كوم» (التي استحوذت عليها «أمازون»)، وشركة «نون» التي تم تأسيسها مؤخراً، أو الشركات الدولية التي توفر خدمات الشحن إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتحتاج المشاريع العربية عبر الإنترنت إلى التعاون بشكل أكبر مع الحكومات المحلية لتحسين هيكلية الخدمات المالية واللوجستية بغية تنفيذ عمليات دفع آمنة وإنجاز عمليات الشحن بشكل أسرع.

وكما يوثّق كريس شرودر في كتابه الرائع «الصعود المستمر للشركات الناشئة» (Startup Rising)، يواصل رواد الأعمال الشباب العرب إطلاق الشركات بالرغم من العقبات التي تعترضهم بفعل انعدام الاستقرار السياسي، والمعوقات البيروقراطية الكبيرة، وشح رأس المال الجريء، وثقافة العمل التي تجرّم الفشل بدلاً من الاحتفاء به. ففي المغرب، يترتب على فشل الشركات إصدار أحكام بالسجن على مالكيها المفلسين. ويحاول رواد أعمال التكنولوجيا في تونس الضغط على حكومتهم لتيسير عملية إغلاق الشركات الناشئة الفاشلة والتي تستغرق حالياً قرابة عام كامل. أما رواد الأعمال الجزائريون، فيحاولون استمالة العملاء بعيداً عن الحكومة كمزود وحيد للخدمات وإطلاق مفهوم المواطنين كعملاء. وفي الأردن، يسعى «جملون» - أكبر متجر لبيع الكتب عبر الإنترنت في العالم العربي – لمجابهة الرقابة الحكومية على الكتب فيما يحاول تنمية عروضه.

إن الموجة الأولى للتحول الرقمي في العالم العربي – والتي تشمل التعليم، والتوظيف، والترفيه، والمشاريع – ساعدت على معالجة المشكلات المتفاقمة بفعل ضعف الكفاءة الحكومية والأنظمة الحكومية المبالغ بها. ومع تمكن المزيد من الشباب العربي من الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة باستخدام هواتف ذكية تعمل بتقنية الجيل الرابع، تبدو الفرصة سانحة لتحقيق المزيد من النمو عبر العديد من القطاعات بما فيها الرعاية الصحية والنقل. وتقدر «ماكينزي آند كومباني» أن تضيف السوق الرقمية 95 مليار دولار أمريكي سنوياً إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط بحلول عام 2020. وفيما توفر الموجة القادمة من التحول الرقمي – بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والواقع الافتراضي – مؤشرات واعدة على ما هو آتٍ، إلا إن «اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق»؛ فالنجاح يتطلب جهداً جماعياً، ولا بد للشركات والحكومات العربية سوياً أن ترتقي إلى مستوى هذا التحدي.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.