آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

شرق المتوسط... واقع مضطرب يترك مساحة ضيقة للتفاؤل

أسامة الشريف

أسامة الشريف

أسامة الشريف هو صحفي ومعلق سياسي مخضرم مقيم في العاصمة الأردنية عمّان، تلقى علومه في الولايات المتحدة وبريطانيا، ونشر العديد من الصحف والمجلات في الأردن، وحرر كذلك العديد من الصحف اليومية باللغتين العربية والإنجليزية في عمّان والشارقة وأبوظبي. وشارك الشريف في منتصف التسعينيات بتأسيس وإدارة موقع Arabia.com، البوابة الإلكترونية الأولى في العالم العربي. وتم تعيينه عام 2004 عضواً في لجنة الأجندة الوطنية بالأردن حيث وضع مسودة قانون الإعلام. ويكتب الشريف حالياً تحليلات سياسية عن المنطقة في «جلف نيوز»، و«عرب نيوز»، و«جوردان تايمز»، ومعهد الشرق الأوسط.

ما من منطقة في العالم العربي عانت خلال العقدين الماضيين أكثر من شرق المتوسط؛ فقد ذاقت شعوب هذه المنطقة – التي تضم العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، والأراضي الفلسطينية – لوعة الغزوات الأجنبية والفتن الطائفية والثورات. وخلال ذلك، وقف العالم يتفرج على المنطقة وهي تفقد الكثير من تنوعها الثقافي والديني والعرقي، وتاريخها الأثري الغني، وإمكاناتها البشرية الكبيرة، عدا عن مليارات الدولارات التي خسرتها جراء غياب التنمية الاقتصادية.

وكان الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، مع ارتداداته الإقليمية الواسعة، نقطة تحول لعشرات الملايين من مواطني هذه المنطقة؛ حيث أفضت هذه الكارثة الجيوسياسية إلى سلسلة من الاضطرابات الإقليمية بما في ذلك التدخل الأجنبي في الشؤون المحلية لبلدان المنطقة، واندلاع الصراع الطائفي، وانحسار دور الحكومات المركزية، واغتصاب الثروات الوطنية، وظهور التنظيمات المتطرفة، وتوافد الجهاديين الأجانب، ونزوح الملايين عن أراضيهم، وويلات الحروب الأهلية الكارثية.

بعض البلدان غرقت في دوامة الفوضى بصورة مباشرة مثل العراق وسوريا، فيما شهد بعضها الآخر – مثل لبنان والأردن – تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية كانت نتيجة طبيعية لما يحدث قرب حدودها. واستمرت معاناة الفلسطينيين تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي مع تلاشي الآمال بإبرام تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين.

وليس من المستغرب بطبيعة الحال أن يكون ضمن استطلاع أصداء بيرسون – مارستيلر السنوي العاشر لرأي الشباب العربي نتيجةٌ تقول بأن «نظرة الشباب العربي في منطقة شرق المتوسط باتت أكثر تشاؤماً ولا سيما خلال العامين الماضيين». وبالمقارنة مع أقرانهم في منطقتي دول مجلس التعاون الخليجي وشمال أفريقيا، كان الشباب العربي في منطقة شرق المتوسط الأكثر تشاؤماً؛ حيث يعتقد 86% منهم أن بلدانهم كانت تسير في الاتجاه الخاطئ بالمقارنة مع 46% من شباب شمال أفريقيا و7% فقط من الشباب الخليجي.

وإلى جانب الفوضى السياسية التي تعصف بالعراق وسوريا، تعاني جميع بلدان شرق المتوسط من الركود الاقتصادي. ففي الأردن، الذي ينتمي 70% من سكانه إلى فئة الشباب دون سن الثلاثين عاماً، أخفقت الحكومات المتعاقبة في معالجة تحديات البطالة المتنامية حتى وصلت اليوم إلى 18%، وهو المعدل الأعلى بين الشباب العربي علماً أن بطالة النساء بلغت 30% تقريباً.

وليست الأراضي الفلسطينية أفضل حالاً. ففي قطاع غزة المحاصر، حيث ما يزال مليونا فلسطيني يقبعون تحت حصار اقتصادي جائر فرضته عليهم إسرائيل منذ 10 سنوات، يعتمد 80% من السكان على المساعدات الغذائية، وهناك ما يزيد على 60% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 29 عاماً عاطلون عن العمل، وهذا أعلى بمرتين من معدل البطالة في الضفة الغربية.

ووفقاً للبيانات، يبدو الشباب اللبناني أفضل حالاً؛ حيث يبلغ معدل البطالة 7% فقط، ويشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 24 عاماً نحو 16% من عدد السكان. ولكن أغلب الشباب اللبنانيين يحلمون بإيجاد وظيفة في دول الخليج وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة. ولا يزال الاقتصاد اللبناني يرزح تحت ضغط كبير، نظراً لوجود أكثر من مليون لاجئ سوري في البلاد.

ويشكل الشباب العراقي، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 - 24 عاماً، نحو 19% من سكان البلاد البالغ عددهم 32 مليون نسمة. ويبلغ معدل البطالة في العراق 14% ولكن مع شلل كبير في النظام السياسي، واستشراءٍ للفساد، ونزوح أكثر من 3 ملايين عراقي داخل البلاد، وحاجة 8,7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية؛ والواقع أسوأ بكثير بالنسبة للشباب العراقي مما تكشفه الإحصاءات.

ونصل إلى سوريا؛ حيث يعيش هذا البلد حرباً أهلية دموية عاثت فيه خراباً لأكثر من سبع سنوات، ولا تزال المواجهات محتدمة في العديد من المناطق، فضلاً عن التدخلات العسكرية لأربع قوىً خارجية على الأقل وعشرات الميليشيات المسلحة. وتقدر الأمم المتحدة أن 13,5 مليون سوري يعتمدون على المساعدات الإنسانية مع نزوح أكثر من 6 ملايين شخص داخل البلاد ولجوء نحو 5 ملايين خارجها. ولكم أن تتأملوا الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي ستتركها الحرب الأهلية على أجيال كاملة من السوريين.

ومع هذا الواقع الكئيب، يبدو واضحاً لماذا يعتقد أغلب الشباب العربي في شرق المتوسط (72%) أن أيامهم الماضية كانت أفضل. وهذه نتيجة خطيرة تستدعي اهتمام الحكومات المحلية والمجتمع الدولي على حد سواء.

إن هذا اليأس بين الشباب يعبر عن مستقبل منطقةٍ مهمةٍ ولكن مضطربة من العالم العربي، وهو يجسد مآلات ما يسمى «الربيع العربي» الذي انطلقت شرارته الأولى على يد شباب محرومين قبل أن تختطفه زمر من الانتهازيين بدوافع إيديولوجية. لقد كان الشباب العربي في أغلب بلدان شرق المتوسط ينشدون العدالة الاجتماعية والاقتصادية ويحلمون بنظام سياسي منصف... أرادوا مستقبلاً يستطيعون فيه الحصول على وظيفة والتمتع بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

على أي حال، يبشر هذا العام بشيء من الانفراج؛ حيث يقف العراق ولبنان على عتبات استحقاقات انتخابية من المفترض أن تضع البلاد على مسار الانتعاش ولو كان بطيئاً. وفي حين لا تزال سوريا تشكل تحدياً عالمياً، إلا أن صوت السلاح توقف على الأقل في أغلب مناطق البلاد. ويحاول الأردن مرة أخرى أن يعيد هيكلة اقتصاده. أما الفلسطينيون، فعليهم الانتظار حتى يمتلك المجتمع الدولي الإرادة لإنهاء معاناتهم المستمرة منذ عقود. في نهاية الأمر، مستقبل هذه المنطقة بين أيدي شبابها، ولهذا لا بد للوضع الراهن أن يتغير.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.