آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

دولة الإمارات: أرض الأحلام وطوق النجاة

رائد برقاوي

رائد برقاوي

رئيس تحرير صحيفة الخليج، أول صحيفة عربية يومية تصدر في دولة الإمارات العربية المتحدة في السبعينات، والتي أصبحت خلال عهد برقاوي من أكثر الصحف العربية شعبية في البلاد. وبدون أدنى شك واحدة من أكثرها تأثيراً، فلها حضور قوي وتقرأً بشكل كثيف من قبل الأوساط الحكومية والاقتصادية. كما يعد برقاوي نفسه من أكثر الصحفيين تأثيرًا في منطقة الشرق الأوسط.

لم يعد جديداً، ولا مفاجئاً، أن تظهر الاستطلاعات وغيرها من وسائل استظهار الرأي تحول الحياة في الإمارات إلى حلم أو أمنية لكل شاب عربي.

هذه الأمنية معلومة منذ سنوات، وتترسخ في كل مناسبة يتاح فيها للشباب العربي التعبير عنها، والأهم أن الحيثيات في كل مرة تتجدد وتتعاظم، وهو أمر يثير مشاعر مختلطة.

تجدد هذه يعني، من جهة، أن غالبية الأقطار العربية، وهذا أمر مؤسف وقاس على قلب عربي، لا تزال عاجزة عن الوفاء بحاجات شبابها بعيدة عن مدارات طموحة إما لانصرافها إلى الاهتمام بمشكلات كثيرة ومعقدة، وإما لعدم قدرتها على فهم لغة الشباب فهماً حقيقياً وترجمتها إلى عمل جدي على الأرض.

من جهة أخرى، يبعث تجدد هذه الأمنية في النفوس سعادة بأن دولة عربية، هي الإمارات لحسن الحظ، أصبحت، كما هي في كل المناحي، نموذجاً باعثاً على الأمل وحب الحياة بين الشباب العربي.

ولعلنا نعلم جميعاً جملة من المسلمات التي تحيط بواقع الشباب العربي منذ عقود طويلة، وهي مسلمات أفضت إلى تجاهله، بل إخراجه من المعادلة نهائياً، فكان حاصل ذلك شديد المرارة حين استغلته بعض القوى والجماعات منذ 2011 على النحو الذي رأينا نتائجه الكارثية، وبعضها لا يزال يتفاعل في واقعنا العربي.

هذا التجاهل للشباب العربي، بكل ما فيه من قدرات ورغبة في الحياة كان سبيل القوى والجماعات المتربصة بنا إلى الهدم تحت شعارات براقة وجدت فراغاً في الجسد العربي فنفذت إلى قلبه، وهو الشباب. هذه الصورة القاتمة التي تبذل جهود في غير بلد عربي لتصحيحها، كانت في الإمارات، ولا تزال، استثناءً مضيئاً ونموذجاً قابلاً للتقليد والنجاح في بقية أقطارنا إذا انتبهت إلى تفاصيله وتطبيقاته، وهي جلية ومتاحة لكل من يمعن النظر.

والنموذج الإماراتي في جانب التعامل مع الشباب لا يمكن وصفه بالحداثة فهو جزء من رؤية راسخة تحكم مسار الدولة منذ تأسست. وجوهر هذه الرؤية التي صاغها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن الإنسان هو الثروة الأغلى، وأن كل ثروة أخرى لا قيمة لها ما لم تستغل في بنائه.

والشباب، بحكم المرحلة العمرية الحالمة المتوثبة للمستقبل، محور اهتمام بالغ في فكر القيادة الإماراتية منذ قيام الدولة، ليس لأن تجاهلهم يعني فقط التنازل عن قوة جبارة في مسيرة البناء، ولكن أيضاً لأن هذا التجاهل يجعلهم خصماً من قدرة أية دولة على الصمود وقد يحولهم إلى أدوات هدم طيعة في أيدي الكارهين والمتربصين، والأمثلة حولنا معلومة لنا جميعاً.

إذاً الشباب، تربية وتعليماً واحتضاناً، في صلب اهتمامات الإمارات التي يتعامل فيها القادة بمنطق الآباء الذين يستثمرون كل الثروات في أبنائهم.

هذه العلاقة الروحية بين الشباب والقيادة في الإمارات هي الأساس الذي تتفرع منه سياسات وخطط لم تعد قاصرة على الداخل الإماراتي، بل يستظل بما تثمره من مبادرات ملايين الشباب العربي داخل بلدانهم، فضلاً عمن يعيش منهم في الدولة.

إيماناً بقيمة التعليم، توفر الإمارات لشبابها كل مساراته في الداخل والخارج وليس الهدف جمع الشهادات والمؤهلات، بل جعلهم في قلب الانطلاقة إلى المستقبل.

ووجود الشباب في قلب هذه الانطلاقة لا يعني أنهم موظفون ينتهي دورهم كل يوم بساعات الدوام، فهم شركاء حقيقيون بالفكر والتخطيط والتنفيذ وقيادة فرق العمل بمسميات تصل إلى «وزير».. والوزراء من الشباب في الإمارات معنيون بملفات هي التصور الحقيقي للمستقبل وأساس صناعته من إدارة شؤون الشباب إلى رسم مستقبل العلوم وفهم تجلياتها الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي وغيره من تقنيات.

هذه الاستجابة الطبيعية والسباقة من الإمارات لشروط المستقبل، وهذا التصور المبكر لآفاقه لا يمكن نجاحهما بغير الشباب، وهم، في أصل المسألة، من يرسمون الغد في أحلامهم وطموحاتهم فما بالنا إذا كانوا هم المكلفين بتحقيق هذه الأحلام بأنفسهم وبرعاية قادة آباء لا يقفون عند التنظير ويحولون كل المجالات إلى ميادين عمل للشباب يجتهدون فيصيبون ويخطئون حتى يشتد العود ويصبحوا قادرين على إدارة واقعهم وحدهم؟

مَن مِن الشباب العربي يحلم بغير ذلك؟ أليس غاية أماني كل شاب عربي أن يجد وطناً يتسع، أياً كانت مساحته، بقدر أحلامه وطموحه، وقيادة ترعى سعيه لبناء نفسه وتنفق على ذلك كل ما تملك حتى يصبح لبنة صلبة في حاضر دولته ومستقبلها؟

ولا يمكن غض النظر عن حقيقة مهمة في هذا السياق، وهي أن الإمارات وهي تسلح شبابها بكل ضرورات المستقبل لا تنشغل فقط بجوانب العلوم والتقنية ومستجداتها، فهي حريصة على أن يبقى الإنسان، وهو منذ البداية الثروة الأغلى، إنساناً متشبعاً بالقيم الروحية تنفتح أمامه أيضاً ميادين التطوع لإغاثة الملهوف ومساندة المحتاج في الداخل والخارج.

نحن هنا في النموذج الإماراتي، أمام صياغة متوازنة للشاب تعطيه بسخاء رشيد وتخاطب روحه على قاعدة الأبوة، ترعى أحلامه وتستوعب طموحه المشروع وتحي اجتهاده، وإن أخطأ، بروح القائد، تقترب من لغته وتتفهم تصوراته للمستقبل، بحكمة الكبير.

وثمرة ذلك كله شباب، أو شابة، أصبح، شكلاً ومضموناً، المبتغي في يقين كل نظير عربي، والإجابة الموجزة البليغة عن أسئلة المستقبل الحائرة في معظم الأقطار العربية.

وهذه الحيرة هي التي تقود إلى ما نراه من مشاهد لا نتمناها لشاب عربي، يجمع بينها انسداد أفق ويأس يدفعان إلى إحدى نارين: غربة في الوطن أو خارجه، وتسليم النفس لفكر يقتل صاحبه والآخرين.

والنجاة التي يصر الشباب العربي على اختيارها كل عام هنا في الإمارات، التي أصبحت بآفاقها المفتوحة على المستقبل الآمن وفكرها الذي ينتصر للبشر، والشباب في القلب منهم، أرض أحلام عربية تعني الحياة. إن نجاح التجربة الإماراتية لا ينبع من كونها ملهمة للشباب فحسب، بل في إمكانية تصدير هذا النجاح إلى العالم العربي ليكون هو القاعدة لا الاستثناء.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.