آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2019".

الشباب العربي في مواجهة قيم ومؤسسات دينية أسيرة الماضي

محمد شحرور

محمد شحرور

يعد الدكتور محمد شحرور، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة دمشق، من أبرز الباحثين في القراءة المعاصرة للقرآن الكريم. وواحد من أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين، ولدى الدكتور شحرور الملايين من المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بما في ذلك قناته على “اليوتيوب” وصفحاته على “تويتر” و”فيسبوك”. اهتمت وسائل الإعلام العربية والعالمية بالفكر الذي يطرحه، وأجريت معه عدة مقابلات صحفية، ونشرت مؤلفاته في مجلة الإيكونيميست البريطانية، و”نيويورك تايمز”، ومجلة “ديرشبيغل”، وصحيفة “ديه فيلد” الألمانية. عرض له على شاشة تلفزيون أبوظبي برنامج “لعلهم يعقلون”، كما شارك كباحث ومفكر إسلامي في العديد من المؤتمرات حول العالم ونشرت له العديد من الأبحاث في الدوريات والنشرات المتخصصة، منها: مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، وجامعات هارفارد، وبوسطن، ودورتماوث، وبرلين.

نشعر بحالة من الحزن والفرح في آن واحد عند الاطلاع على نتائج الاستطلاع الذي تم القيام به، وذلك لأنها تبين لنا من جهة مدى الوعي الذي يتحلى به شبابنا العربي، ولكنها من جهة أخرى تظهر مدى الأزمة الفكرية التي يدور في رحاها هذا الجيل ولا يستطيع الخروج منها.

فهذا الاستطلاع إنما يطلعنا على جوهر الأزمة التي تعيشها مجتمعاتنا والمتمثلة في حضور إشكالية الدين بقوة في المخاض الفكري والثقافي الذي تتخبط فيه أجيالنا الشابة بسبب الموروث المليء بالإشكاليات وما فيها من تناقضات من جهة، وعدم قدرته على مسايرة تطور الحياة الإنسانية من جهة أخرى. الأزمة الفكرية كبيرة لدى الشباب المسلم، الذي نراه من جهة متمسكا بدينه رغم كل ما يحمله من غث وسمين، ولكنه في نفس الوقت غير مقتنع بما توارثه من فكر يحاول أن يحجر على تفكيره، وأن يخط سير حياته في إطار الحلال والحرام، ليس المُنزّل من عند الله كما هو في كتابه عز وجل، وإنما القائم على إملاءات الفقهاء الذي يعتبرون أنفسهم الأوصياء عن الله.

إن هذه الأجيال الشابة، التي مكنها التطور الحضاري من مواكبة كل ما يدور في العالم، لتواصلها الدائم بما يجري فيه بفضل التكنولوجيا الجد متقدمة، جعلها منفتحة على كل حضارات وثقافات العالم وبالتالي لم يعد يسعها ما وسع قبلها من إرث ثقافي ديني، صيغ في القرن السابع الميلادي. إنها أجيال تعيش حال من الضياع والتيه بسبب مقارنتها بين ما ورثته وبين ما فتحت أعينها عليه من علوم ومعارف. وإن كان من السهل عليها، للخروج من هذه الحال، التنازل عن الدين، لكنها ترفض ذلك من منطلق قناعتها بدينها وبأنه دين رباني أنزل من فوق سبع سموات، غير أنها ليست قادرة على فهم موطن الخلل فيما ورثته. وهذا ما يجعلها أحيانا تبدي نوعا من التردد وتبدي أحيانا أخرى رغبتها في التجديد.

وإن كنا نرى، نحن، أن تحقق رغبة التجديد أمر ملحّ وضرورة لا بد منها، إلا أننا مع الأسف، نجد بالمقابل آذان المؤسسات الدينية وشيوخها صماء عن هذا المطلب بدعوى الدفاع عن الدين، مع أن الأمر لا يستقيم إلا إذا كان بالعكس، بمعنى أنه لا يمكن الدفاع عن الدين والحفاظ عليه إلا بتجديده.

إن الواقع الذي أدركته أجيالنا الشابة، وغفل عنه هؤلاء، يكمن في أن حضور فهم القرن السابع للدين، وفرضه على الواقع ليس فقط الاجتماعي والفكري، بل وحتى السياسي، خلق الأزمة الفكرية والدينية والسياسية التي تتخبط فيها مجتمعاتنا، والتي يواجه إرهاصاتها بشكل أساسي الأجيال الشابة لأنها، في مواجهة العصرنة، تجد نفسها تدور في دوامة فكرية ذات أبعاد دينية مسيجة بسياج التراث، ومنغلقة على نفسها بحيث ترفض كل ما من شأنه أن يساعدها على التطور بحجة أن ذلك بدعة وليس من الدين. ذلك لأن مفهوم الدين كما وصل لهذه الأجيال، مفهوم ساذج ومتخلف ورجعي، ومع هذا فإن رجالات المنظومة الدينية يريدون فرضه على هذه الأجيال، ويقدمون الشرعية الدينية للأحزاب السياسية ذات التوجهات الدينية من منطلق شعارات هلامية أثبت الواقع أنها غير قابلة للتطبيق أو متجاوزة وعلى رأسها شعار “الإسلام هو الحل”.

والجميع يشهد أننا، منذ قرابة نصف قرن، ونحن ننادي إلى ضرورة التجديد في الدين، لكننا قوبلنا بالرفض والتهميش، وتم اتهامنا بأننا نريد تشويه الدين. ومع ذلك فقد حذّرنا من الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم لكن أحدا لم يهتم لطرحنا، وها هو ما كنا نحذر منه حاضراً بيننا، بسبب تفاقم الأزمة الفكرية في ثقافتنا الدينية ووصولها إلى طريق مسدود، ولّد ما يسمى بالعنف والعنف المضاد، بظهور التطرف الديني الممارس للعنف، وسعي الجميع إلى محاربته عسكرياً. مع أن أصل المشكلة يبقى موجوداً في جذور التراث، وإذا تم القضاء على الإرهاب عسكرياً فإن مقوماته الفكرية ستبقى قائمة في ثنايا المنظومة التراثية. وبالتالي لا يمكن الخروج من هذا الوضع إلا باعتراف المؤسسات الدينية وشيوخها أولاً بأن هذه المنظومة بحاجة إلى تجديد، وبحاجة إلى إعادة نظر، ومن ثم يمكن بعدها المباشرة في عملية التجديد الفكري بفك الرباط بين ما هو مقدس وبين ما هو غير مقدس في الدين، ثم العمل على إخضاع ما هو غير مقدس إلى الدراسة والتنقيح ووضعه تحت مجهر الموازنة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض. وساعتها فقط سنتمكن من أن نفكك خيوط الإشكاليات المتشعبة في هذه المنظومة.

إننا نرى أن هذه الخطوة هي الوحيدة الكفيلة بالرد على تساؤلات الشباب في هذا الاستطلاع، ذلك لأنهم يرون الدين بالمفهوم الذي ورثوه عاجزاً على أن يسير بهم إلى الأمام، كما أنه عاجز عن أن يبني لهم دولاً مدنية. لذا فإن العمل على تجديده سيمكنهم من إعادة فهمه على ضوء ما توصلت إليه المعارف والعلوم، وسيجعلهم يزدادون ثقة في أنه فعلاً يحمل في طياته رسالة إلهية عالمية باطنها الرحمة وليس العذاب. فالإسلام دين جاء رحمة للعالمين ولا يمكن الإكتفاء بالنظر إليه من الزاوية التي رآها به جيل القرن السابع، لأن الأجيال الشابة المتواصلة مع العالم يجب أن تراه من زاوية القرن الواحد والعشرين وتتعاطى معه بما تحمله من وعي وعلم يؤهلانها لأن تفهمه من منطلقهما كي تتمكن من إيجاد الحلول لمشاكل حاضرها استناداً على فهمها المعاصر للدين وفي ضوء ما اكتسبته من علوم وخبرات وتجارب في الحياة. ولن تنجح كل محاولات فرض التراث عليها مهما مارست من إكراه وعنف، لأن الدين لم يات كي يتم فرضه بالإكراه ولكن جاء لينير درب الإنسانية.

وقد سعينا من جهتنا لأن تكون قراءتنا المعاصرة للدين بمثابة خطوة أولى وليس الأخيرة في طريق التجديد الذي ندعو له والذي نحث عليه دائماً، ولهذا وجدتنا قراءتنا صدى واسعاً عند الشباب المتعطش لفهم دينه فهماً واعياً وليس فهماً قائماً على السمع والطاعة لأقوال من سبقونا دون مناقشتها. ونأمل فقط أن يصل صوت هؤلاء الشباب إلى آذان شيوخ المؤسسات الدينية وإلى من في أيديهم زمام السطلة في مجتمعاتنا حتى يحاولوا جاهدين، كل وفق ما يسمح له به مقامه، من العمل الجماعي المكثف لتجديد الفكر الديني والنهوض بفكر مستنير على ضوء نصوص التنزيل الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.