آراء الخبراء

يقدم نخبة من الخبراء المختصين نظرة تحليلية معمقة حول نتائج "استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي 2018".

10 سنوات على انطلاق استطلاع رأي الشباب العربي: رؤية أوسع نطاقاً للشرق الأوسط

سونيل جون

سونيل جون

انطلقت مسيرة سونيل جون، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أصداء بيرسون- مارستيلر» ورئيس شركة «بيرسون كون آند وولف الشرق الأوسط»، في مجال العلاقات العامة بمنطقة الشرق الأوسط منذ قرابة عقدين من الزمن قاد خلالها مسيرة الشركة التي أرست معايير مبتكرة في قطاع استشارات العلاقات العامة في العالم العربي. كما يقود جون شركة الأبحاث الزميلة «بي اس بي» ريسرتش وشركة «بروف». وكان سونيل جون أول الفائزين من قطاع العلاقات العامة في الشرق الأوسط بجائزة «سيبر» (SABRE) للإنجاز الشخصي المتميز التي تنظمها سنوياً مجموعة «هولمز» الرائدة عالمياً.

إذا كان لعالمٍ سياسيٍ أن يكتب أطروحة حول أسباب الربيع العربي، فبإمكانه أن يوفر على نفسه الكثير من الجهد بمجرد قراءة استطلاع رأي الشباب العربي لعام 2010. إذ قبل أن يبدأ المحتجون بالتظاهر في ميدان التحرير بالقاهرة، حمل استطلاعنا جميع المؤشرات التحذيرية لما حدث. فقد تصدرت الديمقراطية حينها اهتمامات الشباب العربي في العديد من البلدان، ورافقها مخاوف عميقة من ارتفاع تكاليف المعيشة، ناهيك عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وكان الكثير من الشباب العربي في بلدان مثل مصر لا يثقون بأن بلدانهم حققت أي شيء للتعافي من تداعيات الأزمة المالية العالمية.

ومع بلوغ الاحتجاجات ذروتها في عام 2011، كشف استطلاعنا عن مستوى عالٍ من التفاؤل – فقد أحس الشباب العربي حينها أن مستقبلهم كان مشرقاً.

غير أن هذه الآمال بدأت تتلاشى سريعاً في السنوات التالية. ومع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي – وهو بحد ذاته ظاهرة أشار استطلاعنا إلى تفاقمها بفعل افتقار الشباب إلى الفرص – حلت الرغبة في الأمن والأمان مكان الدعوة إلى الإصلاحات الديمقراطية؛ وعادت القضايا المعيشية، وتحديداً الوظائف ذات الأجر الجيد ونظام التعليم الحديث، إلى صدارة اهتمامات الشباب في استطلاعنا السنوي.

واليوم يدخل «استطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر السنوي لرأي الشباب العربي» عامه العاشر، وقد كنا حريصين خلال هذه السنوات العشر على نقل آمال وتطلعات ومخاوف الشباب العربي بمنتهى الأمانة. وفي حين قوبل استطلاعنا الأول في عام 2008 بمزيج من الفضول والريبة، إلا أنه أرسى دعائم الاستطلاعات اللاحقة؛ والأهم من ذلك أنه حظي باهتمام الحكومات والشركات ووسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم.

وما يجعل الأمر مهماً إلى هذا الحد هو أننا نتناول ببحثنا منطقة فتية، حيث أن 65% من سكان الشرق الأوسط هم من الشباب دون سن الثلاثين عاماً. فما يفكر به الشباب حيال مستقبلهم وحياتهم المهنية وعائلاتهم وحكوماتهم، ومن هم الأشخاص الذين يقتدون بهم، وأي نوع من وسائل الإعلام يتابعون، وكيف يرغبون بإنفاق أموالهم – جميع هذه الجوانب تحظى بأهمية كبيرة لأي حكومة أو شركة أو مؤسسة تعمل في هذه المنطقة الزاخرة بالمتغيرات.

وتخبركم استطلاعات الرأي عموماً بشيئين: بما تعرفونه فعلاً، وما ينبغي عليكم معرفته. وفي حين أن استطلاعنا الأول – ولإدراكنا المتأخر – ينتمي إلى النوع الأول، إلا أن استطلاعاتنا اللاحقة كانت بالتأكيد من النوع الثاني. ففي كل عام، نقدم رؤىً قائمة على الأدلة حول مواقف الشباب العربي، ونزود الحكومات وشركات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ببياناتٍ وتحليلاتٍ مهمة تساعدهم في اتخاذ القرارات الصائبة ووضع السياسات السديدة. ونحن في نهاية المطاف نفهم المنطقة بشكل أفضل؛ ومن خلال وضع المعلومات في المجال العام، فإننا نبني جسوراً بين الشرق الأوسط والمجتمعات الدولية والشركات والمنظمات غير الحكومية التي تنشد التعرف على أفكار الشباب العربي ورؤيتهم لشكل مستقبلهم – وهذا كله يستحق العناء فعلاً.

في كل عام، تتم دعوتنا للقاء نخبة من صناع القرار في القطاعين الحكومي والخاص داخل المنطقة وخارجها، حيث نقدم لهم إحاطات مفصلة حول النتائج. وبالإضافة إلى إطلاق الاستطلاع في دبي، يتم تقديمه أيضاً في الأوساط السياسية في واشنطن ولندن وباريس وبروكسل وبرلين.

استطلاع رأي الشباب العربي 2018

يكشف استطلاع هذا العام أن غالبية الشباب في المنطقة ينظرون إلى إرث الربيع العربي بصورة سلبية؛ ومن بين البلدان الأكثر تأثراً بأحداثه، وحدهم الشباب التونسيين يرون في غالبيتهم أن الربيع العربي كان حدثاً إيجابياً. وليس هذا الأمر مستغرباً بطبيعة الحال – فقد أخفق الربيع العربي في مواكبة التطلعات الكبيرة التي خرج لأجلها المتظاهرون الشباب إلى ميدان التحرير. ولكن إرث الربيع العربي انطبع في حياة شباب اليوم بطرق مهمة تنعكس جميعها في النتائج الرئيسية لاستطلاع هذا العام، ويبدو أن الحكومات تحديداً تصغي لذلك.

ومما رأيناه في هذا السياق الإصلاحات الواسعة التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال العام الماضي، والتي ركز أغلبها على توفير بيئة أفضل– اجتماعياً واقتصادياً– لشباب المملكة (ولا ننسى أن هذه الإصلاحات يقودها ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، وكان هو نفسه ضمن نطاق الفئة العمرية المشمولة بالاستطلاع في إصداراته الأولى). ورأينا أيضاً دولة الإمارات العربية المتحدة تعين وزير دولة لشؤون الشباب؛ ولعل التركيز الإماراتي غير المحدود على الشباب كان عاملاً جوهرياً في بلورة نظرة شباب المنطقة إلى هذه الدولة باعتبارها نموذجاً يحتذى به.

ويتناول الاستطلاع أيضاً موضوع الثورة الرقمية. وخلافاً لرأي المشاركين بخصوص الربيع العربي، تنظر غالبية الشباب العربي إلى الثورة الرقمية باعتبارها تطوراً إيجابياً. ولكن علينا أن لا ننسى بأن الربيع العربي ما كان ليحدث - أو على الأقل ليس بهذا النطاق - لولا الثورة الرقمية؛ حيث أن الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي مثل «تويتر» و«فيسبوك»، وخدمات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة في أغلب أنحاء المنطقة، جميعها كانت محفزات حقيقية لهذه الأحداث الدرامية.

وإذا كنا نريد للمنطقة أن تحقق تقدماً حقيقياً في الاهتمامات الرئيسية التي تكررت عبر جميع استطلاعاتنا العشرة – وهي الوظائف والتعليم – فعلى القادة أن يتبنوا هذه النتائج بأنفسهم، وأن يوظفوها لتوفير التعليم الجيد والوظائف المجزية التي يحتاجها شباب المنطقة بشدة علماً أن بطالة الشباب كانت ولا تزال داء المنطقة المزمن عبر جميع استطلاعاتنا، حيث يستقر معدل البطالة عند 25%. علاوةً على ذلك، ومما لا يعرفه الكثيرون أن هناك 85 مليون شخص أمّي في الشرق الأوسط، وهذه مشكلة حقيقية ينبغي أن تنظر إليها الحكومات بمنتهى الجدية. وفي نهاية المطاف، يعتبر نظام التعليم الحديث ضرورة ملحة لتخريج جيل من الشباب العربي القادر على شغل وظائف المستقبل التي ستثمر عنها الثورة الصناعية الرابعة.

ونشهد تقدماً حقيقياً بهذا الخصوص في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث بدأت حكومات هذه المنطقة بالعمل على مبادرات ملحة طال انتظارها لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط – وقد اضطروا لذلك بفعل انهيار أسعار النفط. ومع وصول سعر النفط إلى 70 دولاراً للبرميل، يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الحكومات ستمتلك الإرادة للالتزام بهذا المسار والمضي قدماً في إصلاحات قد تكون مؤلمة في بعض الأحيان ولكنها بالغة الأهمية لاستدامة نموها.

إذا تراجعت حكومات المنطقة عن هذه الإصلاحات، فقد يرحب الكثيرون بالعودة إلى حالة الرخاء التي سادت لأجيال، ولكن مستقبل المنطقة على المدى الطويل سيكون هنا على المحك – فقد يشكرهم شباب اليوم على تخفيف الأعباء عن كاهلهم الآن، لكن أجيال الغد لن تسامحهم أبداً.

شاهد الجلسة الحوارية حول النتائج

شاهد فريق خبرائنا أثناء مناقشة النتائج الرئيسية لاستطلاع أصداء بيرسون- مارستيلر لرأي الشباب العربي 2018. وتتناول هذه النقاشات القضايا الساخنة التي تواجه الشباب اليوم بما في ذلك نظرتهم حيال المستقبل، والثورة الرقمية، وتبدل المواقف إزاء أصدقاء وأعداء المنطقة.